الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
إستراتيجية وزارة الحرب الأميركية 2026
إعادة تعريف القوة الأميركية في عالم يتآكل فيه التفوق

بقلم: د. محمد حسن سعد
رئيس معهد وورلد فيو للعلاقات الدولية والدبلوماسية
عضو الجمعية الأميركية للعلوم السياسية
من وهم السيطرة إلى وعي الهشاشة الإستراتيجية
لا يمكن التعامل مع إستراتيجية وزارة الحرب الأمريكية لعام 2026 باعتبارها وثيقة عسكرية صرفه، ولا حتى كنص توجيهي يعكس تبدلاً في الأولويات العملياتية لوزارة الحرب الأمريكية. فمثل هذه القراءة تبقى أسيرة المنظور التقني، وتغفل ما هو أعمق وأخطر: أن الإستراتيجية تمثل لحظة وعي متأخر لدى القوة الأعظم في النظام الدولي بأن نموذج الهيمنة الذي قامت عليه منذ نهاية الحرب الباردة لم يعد قابلاً للاستدامة، لا بسبب صعود خصوم بعينهم فقط، بل بسبب التناقضات البنيوية التي راكمها هذا النموذج في داخله.
نحن أمام إستراتيجية لا تسأل كيف تُدار القوة، بل كيف يمكن منع انهيار معناها. فالسؤال المركزي الذي يحكم الإستراتيجية الجديدة لم يعد: كيف نفرض النظام الدولي؟ بل: كيف نمنع النظام من التحول ضدنا؟ هذا التحول في صيغة السؤال هو بحد ذاته اعتراف ضمني بأن الولايات المتحدة انتقلت من موقع الفاعل المُطلق إلى موقع الفاعل القَلِق، الذي يدرك أن فائض القوة لم يعد يضمن فائض السيطرة، وأن الانتشار اللامحدود أصبح عبئاً إستراتيجياً لا مصدراً للهيمنة.
من هنا، لا تأتي الإستراتيجية 2026 كتعبير عن ثقة متجددة، بل كمحاولة لإعادة ضبط العلاقة بين القوة وحدودها، بين الطموح الإمبراطوري وإكراهات الواقع الدولي الجديد، حيث لم يعد ممكناً الجمع بين التفوق العسكري، والقيادة الاقتصادية، واحتكار المعرفة، والتحكم بسلاسل القيمة العالمية في آن واحد.
التحول البنيوي في مفهوم الأمن القومي – من التمدد إلى التحصّن
تعكس الإستراتيجية الجديدة انقلاباً صامتاً في تعريف الأمن القومي الأميركي، فالأمن لم يعد مرادفاً للقدرة على التدخل في كل مسرح، ولا لامتلاك حضور عسكري كثيف في مختلف القارات، بل بات يُعرَّف بوصفه القدرة على حماية البنية الداخلية للنموذج الأميركي نفسه من التآكل، سواء كان هذا التآكل إقتصادياً، إجتماعياً، أو حتى معرفياً. هذا التحول البنيوي يقوم على ثلاث ركائز مترابطة:
-
إعادة مركزية الأمن الداخلي: إن إعادة مركزية الداخل الأميركي، كما تظهر في الإستراتيجية، لا تنبع من نزعة انعزالية، بل من إدراك بأن الإمبراطوريات لا تسقط عند حدودها الخارجية، بل عندما تفقد تماسكها الداخلي. لذلك يصبح الدفاع عن القاعدة الصناعية العسكرية، وتأمين سلاسل الإمداد، وحماية البنية التحتية الرقمية، عناصر مكافئة في الأهمية لحاملات الطائرات والأساطيل العابرة للمحيطات. هذا ليس توسعاً في مفهوم الأمن، بل تضييق واعٍ له، عبر نقل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل.
-
تقليص الالتزامات المفتوحة: تعبّر الإستراتيجية عن قطيعة واضحة مع منطق الحروب المفتوحة زمنياً، تلك التي لا تحمل أفقاً سياسياً محدداً، ولا تعريفاً واضحاً للنصر. فالدروس المستخلصة من العراق وأفغانستان لم تعد محصورة في كلفة الدم والمال، بل في الانكشاف الإستراتيجي الذي تسببه هذه الحروب، حيث يتحول التفوق العسكري إلى عامل استنزاف، لا إلى أداة حسم.
-
الانتقاء الإستراتيجي: يظهر في الإستراتيجية ما يمكن تسميته بـ”الانتقاء الاستراتيجي”، بوصفه ضرورة بنيوية لا خياراً سياسياً عابراً، فرضتها محدودية الموارد، وتعدد الجبهات، وتآكل الإجماع الداخلي حول الدور العالمي للولايات المتحدة. فلم تعد واشنطن قادرة، ولا راغبة، في التعامل مع كل ساحة نزاع باعتبارها اختباراً لهيبتها، بل باتت تميّز بين ما يمسّ مصالحها الحيوية مباشرة، وما يمكن احتواؤه أو إدارته عبر الزمن والوكلاء. في هذا السياق، يصبح التدخل فعلاً انتقائياً محسوباً، لا تعبيراً عن فائض قوة، بل عن وعي بحدودها، وخشية من استنزاف المركز في معارك الأطراف.

الصين.. نهاية وهم الاحتواء وبداية إدارة الصعود
تحتل الصين موقع القلب في إستراتيجية وزارة الحرب الأمريكية 2026، لكن الأهم من موقعها هو اللغة التي تُستخدم في توصيفها. فالصين لم تعد تُقدَّم بوصفها تهديداً مستقبلياً يمكن احتواؤه أو تعطيله، بل كقوة مكتملة العناصر، متجذرة في النظام الدولي، وقادرة على إنتاج مسارات بديلة للتنمية، والتكنولوجيا، والحوكمة.
التحول الجوهري هنا هو الانتقال من إستراتيجية الاحتواء الشامل، الذي يفترض إمكانية تطويق الخصم وعزله، إلى إستراتيجية منع الهيمنة (Preventing Hegemony)، الذي يعترف ضمنياً بأن الصعود الصيني لا يمكن وقفه، بل يمكن فقط ضبط سقفه ومنع تحوله إلى مركز قيادة للنظام الدولي. هذا الاعتراف يحمل في طياته إدراكاً بأن المواجهة المباشرة مع الصين ليست فقط مكلفة، بل وجودية في مخاطرها، لأن أي صدام واسع النطاق لن يكون قابلاً للحسم، وقد يؤدي إلى تفكيك النظام العالمي نفسه.
لذلك، تركز الإستراتيجية على إدارة التنافس بوصفه حالة دائمة، لا أزمة عابرة، وعلى بناء توازنات مرنة في الفضاءين البحري والجوي في المحيطين الهندي والهادىء، دون الانزلاق إلى سباق تدميري شامل. إنها مقاربة تعكس عقل قوة تدرك أن ذروة تفوقها قد تكون خلفها، وتسعى إلى تأخير لحظة التحول التاريخي لا إلى منعها.
روسيا.. تهديد إقليمي في نظام دولي متغيّر
في المقابل، تُقدَّم روسيا في الإستراتيجية بوصفها تهديداً مختلف الطبيعة. فهي ليست منافساً حضارياً شاملاً، ولا تمتلك القدرة البنيوية على قيادة نظام دولي بديل، لكنها تملك ما يكفي من الأدوات العسكرية والجيوسياسية لإرباك النظام القائم ومنع استقراره.
المقاربة الأميركية هنا تقوم على إدارة “الخطر الروسي” دون تحويله إلى محور استنزاف دائم. فواشنطن تدرك أن استنزاف موسكو عبر الحروب بالوكالة يجب ألا يتحول إلى استنزاف موازٍ لقدراتها هي، خصوصاً في ظل أولوية المسرح الآسيوي. من هنا يأتي التركيز على تمكين أوروبا، لا بوصفه تعبيراً عن تضامن أخلاقي، بل كخيار إستراتيجي يهدف إلى نقل عبء المواجهة إلى الفضاء الأوروبي، وتقليص الاعتماد البنيوي على القوة الأميركية.
إيران في الإستراتيجية الدفاعية الجديدة- التهديد المستمر وإدارة الاحتمالات القصوى
تتعامل الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة مع إيران كتحدٍ إستراتيجي طويل الأمد، لا ظرفي. فالعقوبات والضغوط لم تكسر إرادتها العسكرية، بل دفعتها إلى إعادة بناء قدراتها وتطوير قواتها بأسلوب تراكمّي.
الأخطر، وفق واشنطن، هو ترك القيادة الإيرانية الباب مفتوحاً أمام خيار السلاح النووي، كأداة ردع أو كورقة تفاوض، ما يخلق سيناريوهات أمنية معقدة ويجعلها فاعلًا يصعب احتواؤه ضمن الردع التقليدي.
كما ترى الوثيقة أن شبكة وكلاء إيران الإقليمية قابلة لإعادة التشكل، مع ترميم بنيتها العسكرية واستعادة قدراتها الهجومية، ما يتيح لطهران إدارة صراعات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، ويجعلها تهديداً دائماً للقوات الأمريكية في المنطقة وخصماً لا يمكن تجاهله.
“إسرائيل” في الإستراتيجية الجديدة – من الحماية المطلقة إلى الدعم المشروط
تعيد إستراتيجية الدفاعية الأمريكية تموضع “إسرائيل” كفاعل إقليمي قادر على الدفاع عن نفسه، بدل الاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية. فالدعم الأمريكي يبقى حاسمًا، لكنه محدود ومُحسوب، مما يعكس الانتقال من الحماية غير المشروطة إلى التمكين المدروس.
وبذلك، تُشجَّع “إسرائيل” على تحمّل جزء أكبر من أعباء أمنها، واستخدام أدوات الردع الذاتية ضمن حسابات استراتيجية تحمي مصالحها دون جر واشنطن إلى صراعات مفتوحة أو حروب مكلفة.
شبه الجزيرة الكورية: من الاعتماد الكامل إلى المسؤولية المشتركة

تعيد إستراتيجية وزارة الحرب الأمريكية رسم دور كوريا الجنوبية، التي لم تعد مجرد متلقٍ للحماية الأمريكية، بل شريك مسؤول قادر على ردع تهديدات كوريا الشمالية. الدعم الأمريكي أصبح “حيوياً ولكن محدودً”، ما يتيح للقوات الأمريكية التركيز على تهديدات أوسع، من الدفاع عن تايوان إلى كبح النفوذ الصيني. رغم المقاومة السابقة من كوريا الجنوبية، أصبح “ميزان المسؤولية” الجديد واقعاً مفروضاً يعكس أولويات واشنطن في إدارة القوة بمنطق الإستراتيجية المشتركة.
إعادة هندسة التحالفات ونهاية نموذج الحماية المطلقة
أحد أخطر التحولات التي تعكسها إستراتيجية وزارة الحرب الامريكية لعام 2026 هو إعادة تعريف معنى التحالف ذاته. فالحلفاء لم يعودوا امتداداً تلقائياً للقوة الأميركية، ولا مستفيدين دائمين من مظلتها الأمنية، بل أصبحوا مطالبين بإعادة تعريف دورهم ووظيفتهم داخل المنظومة.
هذا التحول لا يعكس تراجعاً أخلاقياً، بل انهياراً عملياً لنموذج “الحماية مقابل الولاء”، الذي أثبت عجزه عن إنتاج شركاء قادرين على تحمل مسؤولياتهم. الولايات المتحدة لم تعد ترى في نفسها الضامن المطلق، بل الشريك الذي يحدد شروط التزامه وفق معادلة الكلفة والعائد، وهو ما يعكس انتقالاً من منطق القيادة إلى منطق الإدارة، أو من دور “الضامن المطلق” إلى دور “الشريك المشروط”.

“الشرق الأوسط”- مسرح دائم منخفض الأولوية عالي الخطورة
في الإستراتيجية الجديدة، يظهر “الشرق الأوسط” كمنطقة خرجت من مركز الاهتمام الإستراتيجي، لكنها لم تخرج من حسابات الخطر. فواشنطن لا تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة، ولا إلى حسم صراعاتها، بل إلى منع انفجارها الكبير الذي قد يفرض عودة مكلفة للقوة الأميركية.
هذا يعني عملياً إدارة الفوضى، لا إنهاءها، والاعتماد على توازنات هشة، ووكلاء محليين، وأدوات غير مباشرة، بما يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الذي يمنع انتقال الصدمات إلى النظام العالمي الأوسع.
الخاتمة:
قوة تعترف بحدودها لتؤجل أفولها
في المحصلة، لا تمثل إستراتيجية وزارة الحرب الأمريكية 2026 إعلان ضعف، بل اعترافاً نادراً بحدود القوة في عالم لم يعد يقبل الهيمنة الأحادية. إنها وثيقة قوة تدرك أن الاستمرار لا يتحقق عبر التمدد، بل عبر التركيز، ولا عبر فرض الإرادة، بل عبر إدارة التوازنات.
إنها لحظة انتقال تاريخية، تتحول فيها الولايات المتحدة من مشروع إدارة العالم إلى مشروع إدارة موقعها داخله، في نظام دولي أكثر اضطراباً، أقل يقيناً، وأكثر قابلية للانفلات، حيث تصبح القدرة على تفادي الهزيمة أهم من القدرة على تحقيق النصر.



