الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
3 مواقع.. صراع واحد: كيف تُشعل غرينلاند وفنزويلا وإيران المواجهة بين أمريكا والصين؟

بقلم: الباحثة زينة مالك عريبي
شهد النظام الدولي في الفترة الاخيرة تحولات بنوية غيرت طبيعة النظام الدولي أبرزها تراجع الاحادية القطبية وصعود قوى دولية عظمى منافسة وفي مقدمتها الصين وهذا الأمر اضفى الى تصاعد التنافس الاستراتيجي بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية ولم يعد هذا التنافس مقتصرا على المجال الاقتصادي وشرق آسيا فقط بل امتد إلى ساحات متباعدة جغرافيا ولكنها مترابطة استراتيجيا.في هذا السياق برزت كل من فنزويلا وغرينلاند وإيران كساحات للصراع غير المباشر، وذلك لان المصالح الأمريكية والصينية تتقاطع عبر ادوات ناعمة وصلبة دون الاندفاع الى مواجهة عسكرية مباشرة نسبياً، بناءا على ذلك تحاول هذه الورقة الإجابة على السؤال الرئيسي مفاده كيف تحولت هذه المواقع الثلاثة الى نقاط اشتعال في الصراع الامريكي الصيني، وماهي انعكاساتها على موازين القوى العالمية؟
اولاً: غرينلاند- صراع الجليد والموارد في القطب الشمالي
نظرا لموقع غرينلاند الاستراتيجي في القطب الشمالي جعلها من اكثر المناطق حساسية في الصراعات الجيوسياسية المعاصرة، وذلك لما تتمتع به من مواردطبيعية نادرة ابرزها المعادن الأرضية والطاقة، بناءا على ذلك تنظر الولايات المتحدة الأمريكية الى غرينلاند على انها امتداد لأمنها القومي وهو ما يتجلى في وجودها العسكري وقواعد الانذار المبكر.اما بالنسبة للصين فهي تسعى الى تعزيز حضورها ووجودها في المنطقة بشكل مختلف من خلال الاستثمار في البنية التحتية ومشاريع التعدين والبحث العلمي في إطار ما يعرف بـ “طريق الحرير القطبي“، بناءا على ذلك يتمثل التنافس الاستراتيجي في غرينلاند نموذجا لصراع منخفض الحدة لا يصل لمرحلة المواجهة ولكنه عالي الأهمية من الناحية الاستراتيجية خاصة في ظل الذوبان الجليدي وفتح ممرات بحرية جديدة في المنطقة بلغت.
ثانياً: فنزويلا – الطاقة كسلاح في الصراعات الجيوسياسية
تعد فنزويلا واحدة من اهم مفاصل الصراع الامريكي الصيني في قارة أمريكا اللاتينية، وذلك لامتلاكها أكبر احتياطي نفطي في العالم، من الناحية التاريخية اعتبرت امريكيا فنزويلا جزءا من مجالها الحيوي ولكن العقوبات الأمريكية دفعت كاراكاس الى تعميق شراكاتها مع الصين.أدّت العقوبات الاقتصادية والمالية الأمريكية، التي استهدفت قطاع النفط والبنك المركزي الفنزويلي، إلى تقليص قدرة الولايات المتحدة على التأثير المباشر في القرار الفنزويلي، وفي المقابل دفعت الحكومة الفنزويلية إلى البحث عن شركاء دوليين بديلين، وفي مقدمتهم الصين. استغلت بكين هذا الفراغ الاستراتيجي لتعزيز حضورها الاقتصادي عبر آلية القروض مقابل الموارد، حيث قدمت تمويلات ضخمة مقابل الحصول على إمدادات نفطية طويلة الأمد، ما ضمن لها أمنًا طاقويًا نسبيًا وأتاح لها توسيع نفوذها في منطقة ذات أهمية جيوسياسية عالية.لم يقتصر الدور الصيني في فنزويلا على قطاع الطاقة فحسب، بل امتد إلى مشاريع البنية التحتية، والاتصالات، وتطوير الموانئ، بما يعكس استراتيجية صينية شاملة تقوم على الدمج بين النفوذ الاقتصادي والتأثير السياسي غير المباشر. في المقابل، سعت الولايات المتحدة إلى توظيف أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي لعزل فنزويلا دوليًا، في محاولة للحد من التغلغل الصيني ومنع تشكل موطئ قدم استراتيجي لبكين في أمريكا اللاتينية.تُظهر الحالة الفنزويلية كيف تحولت الطاقة من مورد اقتصادي إلى أداة جيوسياسية تُستخدم في إعادة تشكيل موازين القوة الدولية، حيث بات النفط وسيلة للصمود السياسي والتحالفات الاستراتيجية، لا مجرد سلعة تجارية. كما تعكس هذه الحالة نمطًا جديدًا من الصراع الدولي يقوم على المنافسة الاقتصادية طويلة الأمد بدل المواجهة العسكرية المباشرة، ما يجعل فنزويلا نموذجًا واضحًا لاختبار حدود النفوذ الأمريكي في مواجهة الصعود الصيني في مناطق النفوذ التقليدية.
ثالثاً: إيران- العقدة الأمنية في “الشرق الأوسط”
لا يقتصر التنافس الأمريكي- الصيني في الساحة الإيرانية على البعد الثنائي بين واشنطن وطهران، بل يتجاوز ذلك ليأخذ طابعًا بنيويًا يرتبط بإعادة تشكيل موازين القوة في “الشرق الأوسط”. فإيران، بحكم موقعها الجغرافي المطل على مضيق هرمز، تُمثّل نقطة اختناق استراتيجية لحركة التجارة العالمية والطاقة، ما يجعلها عنصرًا مؤثرًا في أمن الطاقة الدولي، وبالتالي في حسابات القوى الكبرى.في هذا الإطار، تسعى الولايات المتحدة إلى توظيف سياسة “الضغط الأقصى” ليس فقط لاحتواء البرنامج النووي الإيراني، بل أيضًا لمنع تحوّل إيران إلى شريك استراتيجي فاعل للصين في قلب “الشرق الأوسط”. فالعقوبات الأمريكية، إلى جانب الوجود العسكري في الخليج، تُشكّل أدوات ردع مزدوجة تستهدف كبح النفوذ الإيراني من جهة، وإرسال إشارات تحذيرية لبكين من جهة أخرى بشأن حدود التمدد في الإقليم.في المقابل، تنظر الصين إلى إيران بوصفها حلقة محورية في استراتيجيتها طويلة الأمد لتأمين مصادر الطاقة وتنويع طرق الإمداد بعيدًا عن الهيمنة البحرية الأمريكية. ويُجسّد اتفاق التعاون الاستراتيجي طويل الأمد بين بكين وطهران هذا التوجّه، حيث يوفر للصين موطئ قدم اقتصاديًا واستثماريًا في منطقة عالية الحساسية، مقابل منح إيران هامش مناورة أوسع في مواجهة الضغوط الغربية. ولا يقتصر هذا التعاون على قطاع الطاقة، بل يمتد ليشمل البنية التحتية، والاتصالات، والتعاون التكنولوجي، ما يعكس محاولة صينية لبناء نفوذ متعدد الأبعاد دون الانخراط في التزامات أمنية مباشرة.وعليه، ..
تمثل الحالة الإيرانية نموذجًا لصراع مركّب تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والاقتصادية والسيبرانية، حيث تتجنب الصين المواجهة الصريحة مع الولايات المتحدة، مكتفية باستراتيجية التغلغل الهادئ، بينما تعتمد واشنطن على الردع والعقوبات للحفاظ على موقعها المهيمن. ويكشف هذا النمط من التنافس عن تحول في طبيعة الصراع الدولي، من صراع عسكري مباشر إلى منافسة استراتيجية طويلة الأمد تُدار عبر الوكلاء، والاقتصاد، والتحكم بمفاصل الطاقة والأمن الإقليمي.
رابعاً: انعكاسات الصراع على النظام الدولي
تشابهت الحالات الثلاثة في كونها ساحة من ساحات الصراع غير المباشر الذي تعتمد فيه كل من بكين وواشنطن على ادوات النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي بدلا من المواجهة العسكرية المباشرة وبالتالي تتقاطع جميعها في ارتباطها بالموارد الحيوية والأمن الاستراتيجي.
في المقابل، تختلف هذه الساحات من حيث:
1. مستوى التصعيد.
2. طبيعة الموارد (طاقة، معادن، موقع استراتيجي).
3. الإطار الجغرافي والسياسي المحيط بكل حالة.تكشف هذه المقارنة عن استراتيجية أمريكية قائمة على الاحتواء، في مقابل استراتيجية صينية تقوم على التغلغل الاقتصادي طويل الأمد، وقد يسهم هذا التنافس الأمريكي- الصيني في هذه الساحات في إعادة تشكيل النظام الدولي، عبر:
1. تعميق الاستقطاب الدولي.
2. زيادة هشاشة أمن الطاقة العالمي.
3. دفع دول أخرى إلى تبني سياسات الحياد أو التوازن.
4. كما يعزز هذا النمط من الصراع ملامح حرب باردة جديدة متعددة الساحات، تختلف في أدواتها عن الحرب الباردة التقليدية.
الخاتمة
يخلص هذا المقال إلى أن غرينلاند وفنزويلا وإيران لم تعد تُفهم بوصفها فضاءات جغرافية منفصلة أو حالات إقليمية مستقلة، بل أضحت عُقَدًا استراتيجية متداخلة ضمن بنية صراع عالمي أشمل بين الولايات المتحدة والصين. فقد تحولت هذه الساحات إلى نقاط ارتكاز لإعادة توزيع النفوذ الدولي، حيث تتقاطع اعتبارات الطاقة، والموقع الجيوسياسي، والأمن الاستراتيجي في تشكيل موازين القوة المعاصرة. إن إدراك طبيعة التنافس في هذه المواقع لا يتيح فقط فهم ديناميكيات الصراع الأمريكي- الصيني الراهن، بل يسهم كذلك في استشراف مساراته المستقبلية، واحتمالات تطوره من منافسة غير مباشرة إلى إعادة تشكيل أوسع للنظام الدولي وتوازناته.



