الاكثر قراءةغير مصنف

التهديدات الروسية لفنلندا خطاب مقلق يعيد إنتاج أنماط مألوفة

الكرملين يستحضر دعايته المعادية لأوكرانيا ويوظّف التاريخ أداةً في حرب نفسية

بقلم: إدوارد لوكاس

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

في البدء وُصِفت فنلندا بأنها حليف للنازية ثم صُوّرت لاحقاً كأداة طيّعة بيد حلف شمال الأطلسي، أما الاتهام الأحدث فهو أنها دولة متهوّرة معادية لروسيا وتستحق رداً صارماً من الكرملين. من كان يظن أن فنلندا قد تصبح مادةً لهذا القدر من الجدل؟

وسط التركيز الدولي المكثف على حرب روسيا ضد أوكرانيا يسهل إغفال هدفٍ آخر بارز لغضب موسكو ذي النزعة الإمبراطورية، فمنذ سنوات تستخدم روسيا قراءات انتقائية ومشوّهة للتاريخ كسلاح سياسي لتشويه صورة جيرانها ونزع الشرعية عن خياراتهم السيادية، وإذا كان التصعيد الخطابي الأخير للكرملين مؤشراً كاشفاً فإن فنلندا باتت اليوم ضمن دائرة الاستهداف. ويزداد القلق الفنلندي مبرَّراً في ضوء السوابق القريبة، إذ إن المقال التاريخي المطوّل الذي نشره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2021 والذي أنكر فيه حق أوكرانيا في الدولة واستقلالها عن روسيا، شكّل تمهيداً أيديولوجياً لغزوها الشامل بعد أشهر قليلة.

قد تبدو هذه التفاصيل للوهلة الأولى بعيدة عن الاهتمام المعاصر من يهتم اليوم بتاريخ فنلندا المعقّد خلال الحرب العالمية الثانية، أو بالوضع القانوني لدوقية فنلندا الكبرى داخل الإمبراطورية القيصرية السابقة؟ غير أن التاريخ في السياق الروسي ليس حقلاً معرفياً محايداً بل أداة من أدوات السلطة، تُسخَّر لترسيخ هيمنة الكرملين داخلياً وتبرير السلوك العدواني خارجياً وتقويض سيادة الدول الأخرى.

توظّف موسكو التاريخ بلغة مشحونة بالعاطفة، ويبرز ذلك بوضوح فيما كتبه الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف على منصة «إكس» في الثاني من كانون الثاني حين وصف اعتراف البلاشفة باستقلال فنلندا عن روسيا عام 1917 بأنه “خطأ جسيم”، في إيحاء واضح بوجوب تصحيحه مضيفاً أن فنلندا ينبغي أن تدفع ثمن رهابها الخبيث من روسيا.

 

الكرملين

 

وكان ميدفيديف قد صُوِّر في الخطاب الغربي، خلال فترة رئاسته بين عامي 2008 و2012 بوصفه شخصية إصلاحية ذات نزعة ليبرالية، إلا أنه بات اليوم في طليعة الأصوات الروسية الأكثر عداءً لفنلندا، وفي هجومه الأخير وجّه سهام سخطه إلى الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب مشيراً إليه باستخفاف على أنه “شخص يُدعى ستوب” ويُعدّ ستوب من أكثر الشخصيات خبرة ودهاءً ممن شغلوا مناصب عليا في فنلندا فهو يتقن الإنجليزية بطلاقة ويتمتع بحضور شخصي أتاح له بناء علاقة غير متوقعة لكنها ذات فائدة سياسية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى خلاف أجيال سابقة من القادة الفنلنديين يظهر ستوب بمظهر منفتح واجتماعي بل أقرب إلى الخطاب المباشر.

أما خطاب ستوب بمناسبة رأس السنة الجديدة والذي فجّر هجوم ميدفيديف فقد بدا لمعظم المراقبين الدوليين هادئاً وخالياً من الاستفزاز، ففي الشأن الأوكراني قال الرئيس الفنلندي بلهجة متحفظة إن “لا يمكن الجزم بأن روسيا مستعدة للسلام” محذّراً من أن أي تسوية تتعلق بمستقبل أوكرانيا قد تتضمن عناصر “لا تنسجم مع إحساسنا بالعدالة”، كما أكد أن روسيا لن تُمنح فرصة لمواصلة عدوانها في أماكن أخرى مشدداً على أنه: “بالتعاون مع حلفائنا سنضمن ألا تهاجم روسيا أيّاً من جيرانها مرة أخرى”. وأضاف ستوب “لقد تغيّرت علاقاتنا مع روسيا على نحو دائم، أما الثابت فهو أن روسيا ستظل جارنا، تسعى فنلندا وأوروبا إلى علاقات وظيفية وسلمية مع روسيا غير أن ذلك يعتمد في نهاية المطاف على سلوك روسيا نفسها”.

في الخطاب العام شديد الحساسية الذي يسود روسيا في عهد بوتين يُنظر حتى إلى النقد المعتدل على أنه إهانة مباشرة، وقد أتاح ذلك لميدفيديف استئناف حملته التي بدأها العام الماضي في مقال مطوّل بعنوان “العقيدة الفنلندية الجديدة الغباء والأكاذيب ونكران الجميل”، وقد كُتب هذا المقال عقب زيارة قام بها إلى الحدود الروسية– الفنلندية في أيلول حيث زعم أن التحول الفنلندي نحو موقف أكثر تشدداً قد (دمّر) علاقات جيدة تراكمت على مدى عقود، واستدعى ميدفيديف في نصه (الشراكة الدموية) لفنلندا مع ألمانيا النازية وأبرز مشاركتها في حصار لينينغراد الذي أودى بحياة أكثر من 800 ألف مدني، كما اتهم فنلندا بعد الحرب بنكران الجميل إزاء ما وصفه بالمعاملة (المتساهلة) التي لقيتها من الكرملين.

كتب ميدفيديف أن انضمام فنلندا إلى حلف الناتو في عام 2023 ألغى بالنسبة لـ(السلطات الموالية للولايات المتحدة) في هلسنكي أي حق لها في الحصول على عفو سياسي من موسكو وأن فنلندا أصبحت الآن (تدوس بشكل مباشر وفظ) على الأسس التاريخية والقانونية لوجودها كدولة مستقلة، واعتبر أن روسيا بموجب ذلك مخوَّلة لرفض المعاهدات التي اعترفت من خلالها باستقلال فنلندا وسيادتها وحدودها ورفع دعاوى تتعلق بالإبادة الجماعية والتحريض على الحرب والمطالبة بتعويضات من هلسنكي عن الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب العالمية الثانية، وأضاف أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى انهيار الدولة الفنلندية بشكل نهائي.

في السياق الروسي لا يُعدّ هذا مجرد رأي شخصي لميدفيديف بل جزء من حملة أوسع تهدف إلى إثارة المشاعر المعادية لفنلندا بين الروس وتخويف وإحباط الشعب الفنلندي، وتشهد القنوات التلفزيونية الحكومية الروسية بانتظام ظهور محللين ومقدمي برامج يهددون فنلندا بالغزو، كما تشمل الحملة هجمات فعلية على البنية التحتية البحرية كان آخرها في كانون الثاني الماضي حين ألحقت سفينة شحن تُدعى (فيتبورغ) وتبحر تحت علم الكاريبي الضرر بكابل بيانات يربط هلسنكي بعاصمة إستونيا تالين، وقد قامت وحدة من قوات حرس الحدود الفنلندي بمداهمة السفينة التي كانت تتحرك ومرساها يجرّ على قاع البحر واحتجازها، وتحقق السلطات الفنلندية في الحادث باعتباره تخريباً جنائياً معقداً ومحاولة تخريب جنائي معقد وتدخلاً خطيراً في شبكات الاتصالات.

ورغم هذه الحوادث الواقعية استجاب الفنلنديون بحزم، مع تقليل التهويل بشأن احتمال وقوع مواجهة عسكرية، وفي الوقت نفسه التأكيد على صمودهم واستعدادهم، حرصاً على ألا تُصوَّر فنلندا كمنطقة صراع جيوسياسي ساخنة. أما المراقبون في السويد المجاورة فكانوا أقل تقييداً ففي دراسة حديثة صادرة عن وكالة الدفاع النفسي السويدية بيّن باتريك أوكسانين أحد أبرز الخبراء السويديين في أساليب روسيا القذرة سلسلة التشويه والاستفزاز التاريخي المتكرر الذي استهدفت به فنلندا عام 2025، وأوضح أن الحملة طويلة الأمد لتصوير فنلندا كمتعاونة مع النازيين تصاعدت خلال العام الماضي عبر “إجراءات قانونية منسقة وتدمير النصب التذكارية وتصريحات سياسية وتهديدات مباشرة. وتكرر هذه الاستراتيجية ما شاهدناه في حالة أوكرانيا حيث زعمت الدعاية الحربية الروسية مراراً أن البلاد معقل للنازية الهتلرية، ويشير أوكسانين إلى أن المحاكم المحلية والجماعات الناشطة في المناطق الروسية المجاورة استُخدمت لإضفاء غطاء من الشرعية والدعم الشعبي، وبناء أساس قانوني زائف لمطالب محتملة بالتعويض أو حتى على المدى الطويل لمطالبات إقليمية ضد فنلندا.

كما يسلط أوكسانين الضوء على الدعم السياسي الكبير لهذه الحملة من الرئيس بوتين وما يليه في السلطة حيث يلعب مستشار بوتين لشؤون التاريخ وزير الثقافة الروسي السابق فلاديمير ميدينسكي دوراً محورياً، ويشارك أيضاً وزير الخارجية سيرجي لافروف الذي كتب مؤخراً مقدمة لعمل تاريخي زائف يجادل بعدم شرعية الدولة الليتوانية على مدى سبعة قرون، وعزز ثلاثة نواب روس كبار تصريحات ميدفيديف الأخيرة بزعم أن فنلندا دولة زائفة تُثير التوترات مع روسيا وقد تضطر موسكو إلى اتخاذ إجراءات صارمة رداً على ذلك وهي اللغة ذاتها التي سبقت الهجوم الروسي على أوكرانيا، وتشمل هذه الحرب الكلامية أجهزة الأمن والاستخبارات والمحاكم ووزارة الخارجية والمدعين العامين والسياسيين والمسؤولين الحكوميين والمراكز البحثية والنشطاء الموالين للكرملين ووسائل الإعلام وحسابات التواصل الاجتماعي المجهولة فضلاً عن دعم بعض الأصوات الغربية.

منذ نشر دراسة أوكسانين صعّدت موسكو من لهجتها بشكل ملحوظ، فقد ظهرت على موقع وزارة الخارجية الروسية نسخة منقّحة باللغة الإنجليزية لما يُعرف بـالكتاب الأسود وهو سرد متحيّز يركّز على انتشار ما يُسمّى بارهاب روسيا ليس في فنلندا فحسب بل أيضاً في السويد.

 

ويتولى تحرير الكتاب يوهان بيكمان أكاديمي فنلندي مستقل من أصول سويدية سبق له أن دخل في صراعات متكررة مع السلطات في هلسنكي بسبب نشاطاته الموالية للكرملين، وقد مُنح الجنسية الروسية الفخرية تقديراً لدوره. ويتجنّب المسؤولون الفنلنديون مناقشة هذه القضايا علناً خشية زيادة الاهتمام بحملات التشويه الروسية، إذ تقوم الثقافة الاستراتيجية في فنلندا- المتشكّلة خلال عقود الحياد المتوتر في الحرب الباردة- على التعامل بهدوء وبصوت منخفض مع الموضوعات الحساسة، ومع ذلك وصف هنريك مايناندر أحد أبرز المؤرخين المعاصرين في فنلندا وكتابه الجديد عن تاريخ هلسنكي المقرر صدوره باللغة الإنجليزية في شباط “الكتاب الأسود” بأنه مثال مشوّه لكنه متوقع على ما يسميه سياسة التاريخ الستالينية في روسيا الحديثة.

وتأتي هذه الهجمات ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل السرد التاريخي الوطني الروسي إلى أداة للسلطة حيث تُقدّم صورة الاتحاد السوفيتي كقوة بطولية وبرّاء من كل خطأ، وتتجاهل هذه الرواية التحالف شبه الرسمي بين ستالين وهتلر والانتهاكات التي ارتكبها الجيش السوفيتي في أوروبا الشرقية والوسطى فضلاً عن الغزو الكارثي وغير المبرر لفنلندا خلال حرب الشتاء (1939–1940)، وعلى الرغم من نجاح فنلندا في صد هذا الهجوم فقد حظيت بدعم محدود من الحلفاء واضطرت للتنازل عن أراضٍ واسعة في إطار اتفاق السلام مع السوفيت عام 1940، وعندما شنت ألمانيا النازية غزوها للاتحاد السوفيتي عام 1941 شنت فنلندا هجوماً لاستعادة أراضيها المفقودة لتكون طرفاً مشاركاً وليس حليفاً رسمياً لقوى المحور ثم قطعت علاقتها ببرلين عام 1944 ووقّعت اتفاق سلام منفصلاً مع الاتحاد السوفيتي شمل تعويضات ثقيلة وتنازلات إقليمية وفرض حياد قسري. وترسم الرواية الروسية الثنائية والمتشددة عن “الحرب الوطنية العظمى” اسم روسيا للحرب العالمية الثانية صورة مبسّطة حيث يتم تلخيص الأحداث على نحو منطقي مباشر، الاتحاد السوفيتي حارب النازيين وهزمهم ومن قاوم أو هاجم السوفيت لأي سبب يُعتبر متعاوناً مداناً، وتدّعي روسيا المعاصرة الاحتكار الكامل لهذا الإرث متجاهلة دور غير الروس لا سيما الأوكرانيين والبيلاروسيين كضحايا ومقاتلين ضد النازية.

وفي هذا الإطار تطالب موسكو بامتنان دائم وغير مشروط وتشرعن اتخاذ إجراءات مضادة ضد الدول التي تفشل في إظهار هذا الامتنان، ويشير أوكسانين إلى أن الهدف هو إضفاء الشرعية على الطموحات الإمبراطورية الروسية الحديثة ووصم خصومها بالأخلاقية المذمومة، أي السيطرة على الماضي من أجل تشكيل المستقبل.

وفيما يتعلق بتداعيات هذه السياسة من الواضح أن روسيا تتعامل بجدية مع “حرب التاريخ” فهي قادرة على تصعيد خطابها من حيث النطاق والشدة، والانتقال بسلاسة من ساحة المعلومات إلى المجال القانوني عبر رفع دعاوى قضائية وإصدار أحكام ضد فنلندا بشأن أضرار الحرب وهو ما قد يُستغل لاحقاً كأساس لفرض عقوبات، وتشمل الحملة أيضاً إجراءات رمزية وواقعية مثل إزالة النصب التذكارية الفنلندية من ساحات المعارك السابقة داخل الأراضي الروسية وتعطيل الفعاليات التذكارية، ومضايقة الدبلوماسيين- وهي ممارسات تم تسجيلها خلال العام الماضي.

وفي مستوى تصعيد لاحق يمكن تصور تنفيذ عمليات داخل الأراضي الفنلندية مثل التخريب المجهول للمتاحف والنصب التذكارية أو أنشطة روسية تهدف إلى تصوير صعود عناصر يمينية متطرفة أو نازية داخل فنلندا، ورغم أن هذه الإجراءات قد تبدو رمزية أو هامشية فإنها تؤثر سلباً على الصورة الدولية للدولة المستهدفة وتزرع القلق والخوف والارتباك والاستقطاب في المجتمع ما يتيح لروسيا تحقيق مكاسب مزدوجة قبل أي مواجهة فعلية.

 

* Edward Lucas, Russia’s Threats Against Finland Are Disturbingly Familiar Echoing its anti-Ukraine propaganda, the Kremlin is wielding history in a psychological war, foreign policy, January 9, 2026

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى