الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

“عقيدة دونرو” : استراتيجية الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي

قراءة من منظور الواقعية الهجومية

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

منذ أن وضع جون ميرشايمر نظريته الخاصة بالواقعية الهجومية فأنها  لم تخضع للتطبيق على أرض الواقع كما يجري اعتمادها حاليا من خلال ادارة دونالد ترامب في ولايته الثانية، فالعملية العسكرية التي تم فيها اعتقال الرئيس الفينزويلي نيكولاس مادورو في مطلع العام 2026، والتي لم تكن تهدف للسيطرة على طرق تجارة المخدرات كما جرت عليه الادعاءات الامريكية ولكن الأمر كان يتعلق بالدوافع الجيوستراتيجية المرتبطة باهداف استراتيجية الامن القومي الامريكي التي وضعتها ادارة ترامب العام الماضي والتي بات يصطلح على تسميتها بـ”عقيدة دونرو” نتيجة لتعديل دونالد ترامب على عقيدة مونرو، والتي تجلت بها تطبيقات الواقعية الهجومية بأوضح صورها، ستعمل هذه المقالة على محاولة تشريح تلك الدوافع الامريكية بعدسة الواقعية الهجومية.

 

أولاً: الافتراضات النظرية للواقعية الهجومية

تمثل النظرية الواقعية الهجومية التطور الابرز للنظرية الواقعية في العلاقات الدولية التي ظهرت منذ القرن الماضي واصبحت الأساس الذي تعتمد عليه جميع الدول في تطبيق سياساتها الخارجية لاسيما الولايات المتحدة، حيث تنظر للعلاقات الدولية بوصفها علاقات صراع  من اجل القوة والسلطة تحركها المصلحة القومية للدول، وقد وضع جون ميرشايمر في نظريته التي تمثل اخر تحديث للواقعية وتعرف بالواقعية الهجومية خمس افتراضات اساسية اعتبرها المحركة لسلوك الدول في تفاعلها داخل النظام الدولي  وهي:

 

  • البنية الفوضوية للنظام: بسبب عدم وجود سلطة عليا تحكم النظام الدولي، وهو افتراض يتفق عليه جميع الواقعيين فأن الدول تكون مضطرة للدفاع عن نفسها نتيجة تعرضها للخطر في اي وقت، لتحقق أمنها من خلال الحصول على القوة.

  • تعزيز القدرة العسكرية الهجومية: وهنا يتفرض ميرشايمر على عكس باقي الواقعيين ان الدول تسعى بشكل دائم لزيادة قوتها، فإذا كان كينيث والتز يفترض ان الدول تعزز قوتها حتى تصل لحد كاف من القوة يمكنها من احتلال مكانة متقدمة في هرم النظام الدولي، فأن ميرشايمر لا يعترف بهذه الكفاية للقوة ويعتقد بضرورة قيام الدولة بزيادة قوتها بشكل مستمر حتى لو توصلت الى موقع مهيمن داخل بنية النظام الدولي.

  • عدم اليقين بنوايا الاخرين: ان بنية النظام الدولية الخالية من السلطة العليا تدفع الدول للخوف على امنها مما يضطرها لزيادة قوتها العسكرية بهدف حماية نفسها مما يزيد من حالة عدم اليقين في العلاقات بين الدول حول نوايا بعضهم البعض فمهما كانت العلاقات متينة يبقى مجال للشك بين الدول قائما، فكيف يكون الحال فيما بين الدول المتنافسة؟، لذلك فإن حالة عدم اليقين والشك والخوف المستمرة هي التي تدفع الدول لزيادة قوتها العسكرية بشكل مستمر .

  • الدول فواعل عقلانية: يرى ميرشايمر ان الدول تتصرف كفواعل عقلانية في إطار تفاعلها الدولي على الرغم من الشك والخوف وعدم اليقين لذلك فأنها تضع استراتيجيات مناسبة لمواجهة هذه الحالة من عدم اليقين وتعزيز قوتها في مواجهة الخصوم.

  • البقاء هو الهدف: يرى ميرشايمر ان كل تفاعلات الدول وسعيها لتعظيم قوتها انما نابع من أحساسها بالخطر على وجودها بالتالي فأن تعظيم القوة يكون مبررا للدفاع عن الوجود والحفاظ على بقاء الدولة بوصفه الهدف الاسمى.

 

اللافت في نظرية الواقعية الهجومية انها تدعو لان تعزز الدولة من قوتها لتصبح في مكانة المهيمن الإقليمي لان الهيمنة العالمية مستحيلة بسبب موانع المحيطات، الا انها يجب أن تمنع قيام مهيمن إقليمي في اقاليم أخرى من العالم كي لا يصبح تهديدا عليها، وهذا الافتراض يتناسب بشكل كبير مع ما يقوم به ترامب في الوقت الراهن ما يدل على انه يسلك الواقعية الهجومية في استراتيجيته.

 

ثانياً: مبادرة الدفاع الامريكية لعام 2026 نحو تعظيم القوة العسكرية الامريكية

تمثل مبادرة الدفاع الامريكية لعام 2026 والتي جاءت بميزانية قياسية وصلت إلى 900 مليار دولار تطبيقا لافتراض الواقعية الهجومية حول قيام الدولة بتعزيز قوتها حتى لو وصلت لمكانة المهيمن، حيث تمثل المبادرة عملية تحديث شاملة للقوات المسلحة الامريكية قائمة على تعزيز الردع التكنولوجي واعادة تنشيط القاعدة الصناعية الدفاعية، وتضم مجموعة من البرامج التطويرية مثل:

 

  • برنامج القبة الذهبية: ويعد من أهم اولويات السياسة الدفاعية الامريكية في مجال الدفاع الصاروخي، ويكون البرنامج عبارة عن منظومة دفاعية شاملة تهدف لحماية الأجواء الامريكية من التهديدات الجوية والصاروخية المتطورة، حيث قام ترامب بتعديل سياسة الدفاع الوطنية الامريكية لتتناسب مع هذا التوجه في ميزانية العام 2026.

 

  • برامج الطيران والسيطرة الجوية: ويضم ابرز المشاريع

    • مشروع المقاتلات التعاونية: وهو مشروع يهدف لبناء سلاح جو يعتمد على الاسراب الهجينة التي تمتزج فيها الطائرات المقاتلة التقليدية مع الطائرات المسيرة التي تعمل كطائرات مساعدة للمقاتلات.

    • مشروع طائرة اف 35: ويقوم على ادامة تحديث طائرات اف 35 بتقنيات حديثة مع فرض قيود على مبيعاتها الى بعض الدول لضمان التفوق التكنولوجي والامني.

 

  • الأسلحة والذخائر المتطورة: وتضم عدة مشاريع من بينها:

    • الأسلحة الفرط صوتية: تسعى الولايات المتحدة لمجاراة  روسيا والصين في مجال  الصواريخ الفرط صوتية من خلال برنامج مكثف لتطوير ونشر هذه الصواريخ

    • انظمة الحماية من الطائرات المسيرة: مثل نظام IFPS المصمم للتصدي للطائرات المسيرة وصواريخ كروز والتهديدات الجوية غير المباشرة.

 

  • مجالات التكنولوجيا العسكرية الذكية: وتتضمن مشاريع مثل:

    • مبادرة الذكاء الاصطناعي: تتضمن انشاء بيئات افتراضية تجريبية لاختبار وتدريب تقنيات الذكاء الاصطناعي في بيئات العمليات العسكرية.

    • مشروع مايفين: من المشاريع الاستراتيجية التي تعمل على انشاء نظام للقيادة والسيطرة يعمل بالذكاء الاصطناعي حيث تحلل بيانات التي ترد من الاف المصادر الاستخبارية بضمنها بيانات رصد الطائرات المسيرة والتي يعمل على تجميعها وتحليلها وإعطاء تصور كامل للقيادة عنها ما يمكن صانع القرار من اتخاذ القرار العسكري بسرعة اكبر وهو يغنيه عن الاف الموظفين والمحللين الاستخباريين.

 

  • إعادة هيكلة القوات البرية: تتضمن المبادرة ايضا:

    • تشكيل قيادة نصف الكرة الغربي: يتم من خلال دمج عدة قيادات عمليات لتشكيل جيش موحد تحت قيادة من فئة 4 نجوم، للتحرك في مجال النفوذ الامريكي في نصف الكرة الغربي.

    • نشر المسيرات في فرق: بالإضافة إلى دمج المسيرات ضمن القوات الجوية فأن الولايات المتحدة تخطط لنشر انظمة برية غير مأهولة في كل فرقة عسكرية بنهاية عام 2026.

 

ثالثاً: عقيدة دونرو الواقعية الهجومية

منذ أن أصدر دونالد ترامب استراتيجية الامن القومي الامريكي في ولايته الثانية والتحليلات تنهمر على ما ورد من الدعوة إلى العودة  لعقيدة مونرو بنسخة معدلة والتي اطلقت عليها الاستراتيجية تسمية (لازمة ترامب لعقيدة مونرو) او تعديل ترامب لعقيدة مونرو، الا ان ملامح هذا التعديل بدأت تتضح مع أولى عملياته داخل مجاله الحيوي في نصف الكرة الغربي بعد ان اعتقل الرئيس الفينزويلي وهيمن على الانتاج النفطي لفنزويلا، كما سارع للمطالبة مجدداً بغرينلاند حيث دعا  الى الحصول عليها من خلال صفقة مع الدنمارك وهدد انه في حال رفض الصفقة فإنه سيقوم بعمل عسكري للسيطرة على الجزيرة، بالتالي يمكن فهم تعديل ترامب على عقيدة مونرو والذي بات يعرف  بمبدأ دونرو او عقيدة دونرو اختصارا لرؤية (دونالد ترامب وجيمس مونرو) بأن النصف الغربي من الكرة الأرضية التي وصفها في استراتيجيته لا تقتصر على الأمريكيتين فقط وإنما تمتد الى شبه جزيرة غرينلاند الاستراتيجية.

 

خريطة رقم (١): الفرق بين مبدأ مونرو ومبدأ دونرو الجديد

 

ان سعي الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة على غرينلاند سيمنح ها القدرة على التحكم بمداخل القطب الشمالي ما يمكنها من تطويق روسيا جيوسياسيا وتقليل هامش مناورتها  داخل القطب الشمالي لاسيما مع تصاعد التنافس الدولي في هذه المنطقة، كما ان السيطرة على غرينلاند ستمكن ترامب من الوصول إلى المناطق الحيوية على المحيط الشمالي وتمنح الولايات المتحدة اطلالة بحرية واسعة النطاق على المحيط ما يمكنها من استثمار هذه الاطلالة لاستخراج الموارد الثمينة في هذا المحيط الغني باحتياطيات ضخمة لم تكتشف من النفط والغاز ومخزون من العناصر النادرة الضرورية للصناعة، وهو ما يعزز من تحكم الولايات المتحدة بالممرات المائية الاستراتيجية الرابطة بين شرق الكرة الأرضية وغربها وتلك التي تفصل المحيط الأطلسي عن المحيط الشمالي، بالتالي تحقق الولايات المتحدة تطويق للأسطول الشمالي الروسي اقوى اسطول في البحرية الروسية وتمنعه من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر ما يعرف بفجوة جيوك (Giuk) ، وذلك لان هذه السيطرة سوف تدفع بطبيعة الحال لزيادة القواعد العسكرية والبحرية الامريكية في جزيرة غرينلاند ما يحول المحيط الأطلسي واطراف المحيط الشمالي الى بحيرة أمريكية تهيمن عليها الأساطيل الامريكية.

كما أن السيطرة على غرينلاند ستفتح الباب امام الولايات المتحدة لتطويق كندا التي رفضت قبول صفقة ترامب لأول مرة بالانضمام إلى الولايات المتحدة، ما يجبر كندا على المواجهة او اللجوء إلى التفاوض لتسوية الأمور، بالتالي يتضح ان مبدأ دونرو يمنح الولايات المتحدة موقع المهيمن الإقليمي بما يتطابق مع وصفة ميرشايمر في نظريته حول الواقعية الهجومية، كما ان هذا المهيمن يسعى من اجل الحفاظ على بقاءه من خلال منع صعود مهيمن إقليمي في مناطق أخرى من العالم، وهذا بالضبط ما يفعله ترامب من خلال الاتي:

الإزاحة والهيمنة الاقليمية: يسعى دونالد ترامب في عملياته الأخيرة لاسيما في فنزويلا وتهديداته لكوبا والمكسيك وكولمبيا، ان يعمل على الهيمنة الإقليمية وفقا للمنطقة التي حددها باستراتيجيته من خلال القيام في أول الامر بازاحة النفوذ الخارجي للقوى المهيمنة من اقاليم أخرى مثل النفوذ الصيني والروسي، في المنطقة والذي يتمثل بأنظمة مالية لروسيا والصين او حليفة لهم او بمناطق التجارة والاستثمار الصينية، على ان تبدأ الإزاحة بالانطلاق صعودا من خلال ثلاث دوائر هي:

 

  • دائرة البحر الكاريبي: وهي الدائرة الأقرب للأراضي الامريكية والتي تحوي المناطق الحيوية للتجارة الامريكية وكذلك تضم دول غنية بالنفط مثل كوبا حيث يعد الحفاظ على هذه المنطقة خالية من اي نفوذ سوى نفوذ الولايات المتحدة شرطاً لا غنى عنه للأمن القومي الامريكي، وعلى هذا الأساس تركز ادارة ترامب على ازاحة النفوذ الصيني من المنطقة والذي بدأ من بنما بعدما هددها ترامب في بداية العام الماضي بالاجتياح ما اجبر بنما على انهاء عقودها مع الشركات الصينية المستثمرة في قناة بنما الاستراتيجية وتوقيع عقود جديدة مع شركات أمريكية لإدارة عملية المرور بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ عبر هذه القناة الحيوية، ما يسمح للسفن التجارية الامريكية والعسكرية ان تمر عبر القناة دون دفع تكاليف المرور بينما تفرض هذه التكاليف على سفن لدول أخرى من بينها السفن الصينية، ما يعطل سلاسل التجارة الصينية بين الشرق والغرب التي تمر عبر قناة بنما.
    والخطوة الثانية تمثلت السيطرة على فنزويلا ما عزز من الهيمنة الامريكية على مناطق  البحر الكاريبي.

  • دائرة أمريكا الجنوبية: وهي الدائرة الأهم التي تضم منافس إقليمي من الصعب مواجهته وهي البرازيل والتي على الرغم من انها لا ترتقي لتكون قوة منافسة للولايات المتحدة الا انها ستبقى عقبة مؤثرة في الحد من الهيمنة الإقليمية الامريكية بما يتوافق مع المجال الحيوي المحدد بمبدأ دونرو، حيث أن البرازيل تملك علاقات وثيقة مع الصين تتخللها شراكات اقتصادية، ما يجعل المواجهة الامريكية الابرز في هذه الدائرة ستكون مع البرازيل بصورة رئيسة ومع باقي دول أمريكا اللاتينية ذات الايديولوجيا المناهضة للامبريالية.

  • دائرة المحيط القطبي الشمالي: وهي الدائرة الأهم التي يركز عليها ترامب في الوقت الراهن حيث يعول من خلال السيطرة على غرينلاند بالتحكم بالدائرة هذه بشكل كبير لاسيما مع احتفاظ الولايات المتحدة بوجود تقليدي في ألاسكا التي تمثل الاطلالة الامريكية الوحيدة على الدائرة القطبية الشمالية، بهدف الحد من النفوذ الصيني واحتواء النفوذ الروسي في القطب الشمالي ما يؤسس لحالة من “الاحتواء عبر المجال الحيوي”([1])، ويدعو ترامب الى عقد صفقة بخصوص الاستيلاء على غرينلاد ويهدد باستخدام القوة العسكرية في حال رفض ذلك، وهو ما يجعل الولايات المتحدة بمواجهة لاول مرة مع دولة حليفة ضمن حلف شمال الأطلسي وهو ما يعني عمليا نهاية حلف شمال الأطلسي.

  • التوازن من خارج المجال: تفترض الواقعية الهجومية ان المهيمن الإقليمي لا ينبغي له ان يسمح بظهور قوة مهمينة في إقليم اخر لكي لا تستخدم موارد اقليمها لتهديد المهمين الاقليمي، بالتالي يشدد ميرشايمر على ثلاث اقاليم اساسية يدعو لمنع ظهور مهيمن إقليمي فيها وهي آسيا التي تهيمن عليها الصين وأوروبا منع روسيا من الهيمنة عليها و”الشرق الاوسط”، لكن ترامب في استراتيجيته الجديدة يدعو إلى الاتي:

    • أوروبا: يدعو إلى أن تتولى دول أوروبا الدفاع عن نفسها بنفسها لمنع الهيمنة الروسية دون تدخل امريكي لمساندتها، وهو ما يتناقض مع رؤية ميرشايمر التي تدعو لتعزيز دور الناتو في ذلك.

    • آسيا: يسعى لتطويق الصين تجارياً عبر الضغط عليها في التجارة العالمية بدلاً من إقامة علاقات استراتيجية عسكرية مع القوى الاسيوية المحيطة بها وهو ما يجعل ترامب نهجها واقعياً هيجيناً يدمج بين الواقعية الهجومية والواقعية الدفاعية، حيث انه يسعى لمنع الصين من السيطرة على القطب الشمالي عبر الهيمنة على غرينلاند.

    • “الشرق الاوسط”: في هذه المنطقة يسعى ترامب ليس الى تشكيل توازن قوى إقليمي بل يدعم بشكل غير مسبوق “إسرائيل” لتتحول لمهيمن إقليمي، لكنه مهيمن يعمل بالتعاون مع بعض الدول في الاقليم لضمان استمرار تدفق النفط من هذه المنطقة والحد من الدور الإيراني او انهاءه.

بالتالي فأن ترامب يستخدم رؤية ميرشايمر حول التوازن من خارج المجال بأسلوب خاص يمزج بين الأدوات العسكرية والأدوات الاقتصادية الضاغطة للتحكم بتلك النقاط الحيوية دون تدخل او انخراط امريكي كامل بها.

 

رابعاً: ردود الفعل الدولية على الاستراتيجية الامريكية

 

 لقد أثار اعتقال الرئيس مادورو صدمة كبيرة في العالم لكن  الصدمة الاكبر هو ما اعقبها من عودة ترامب للحديث عن مطالبه في غرينلاند حيث آثار هذا الامر غضب حلفاءها الأوروبيين الذين باتوا يشككون ببقاء حلف الناتو في حال إقدام واشنطن على خطوة السيطرة على غرينلاند، واهم ردود الفعل الدولية:

  • ردود الفعل الاوروبية: أصدرت الدول الاسكندنافية (النرويج- فنلندا- الدنمارك- السويد) بياناً مشتركًا يؤكد على اتخاذ إجراءات مشتركة لردع اي عدوان امريكي على غرينلاند الخاضع لسيادة الدنمارك، كما دعا مسؤولو الاتحاد الأوروبي الى تفعيل المادة 42 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي التي تلزم الدول الأعضاء بتقديم المساعدة بالموارد المتاحة اذا تعرضت اي دولة من دول الاتحاد مثل (الدنمارك) الى عدوان عسكري.

إلى جانب ذلك قامت الدول الاسكندنافية بنشر قوات بحرية عند مقتربات غرينلاند  وذلك لارسال رسالة تدحض ادعاءات ترامب حول الوجود البحري الروسي والصيني في المحيط القطبي الشمالي بالقرب من غرينلاند، فضلاً عن ارسال قوات الى الجزيرة لاسيما القوات الدنماركية التي قامت بتعزيز دفاعاتها هناك واعطت  صلاحيات لقواتها بإطلاق النار على اي قوة اجنبية تدخل الجزيرة دون الحاجة للعودة للقيادة المركزية لتلقي الأوامر مما يعني وجود فرضية الاشتباك بين القوات الامريكية والقوات الدنماركية في حال قرر ترامب المضي بخططه لاحتلال الجزيرة.

اما بريطانيا وفرنسا والمانيا فيقودون جهود مشتركة لنشر قوات بحرية او بعثة عسكرية لدحض ادعاءات ترامب بعجز أوروبا عن حماية القطب الشمالي وايضا لتكون هذه القوات رسالة ردع ضد الولايات المتحدة بالتأكيد على استعداد أوروبا لمواجهة اي غزو امريكي للجزيرة.

  • ردود الفعل الصينية والروسية: بالنسبة لروسيا لم تعلق على التصريحات الجديدة ترامب ولم يصدر منها سوى تصريحات غير رسمية ساخرة، اما الصين فقد ردت عبر المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ التي دعت الولايات المتحدة إلى الاحجام عن استخدام الدول الأخرى كذريعة لتحقيق مصالحها، فيما اكدت الصين ان نشاطاتها سلمية في القطب الشمالي قائمة على الاقتصاد والتنمية المستدامة ودعم عادية غرينلاند للدنمارك.

 

الاستنتاجات

يمكن القول إن الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب في ولايته الثانية، قد حسمت خياراتها الاستراتيجية بالانتقال من دور “الحامي للنظام الدولي الليبرالي” إلى دور “المهيمن الإقليمي المراجِع” الذي لا يكتفي بالحفاظ على الوضع القائم، بل يسعى لإعادة ترسيم حدود مجاله الحيوي بما يضمن له التفوق المطلق للقرن القادم. إن “عقيدة دونرو” ليست مجرد تعديل اسمي على مبدأ قديم، بل هي محاول لتحويل نصف الكرة الغربي إلى وحدة سياسية وعسكرية مغلقة تحت السيادة الأمريكية الكاملة.

وبناءً على ما تقدم من تحليل، يمكن إجمال أهم  الاستنتاجات في النقاط الآتية:

  • تحول العقيدة الأمنية: انتقلت واشنطن من استراتيجية “الاحتواء البعيد” إلى “الاحتواء عبر المجال الحيوي”، حيث أصبح امتلاك النقاط الحيوية (غرينلاند، البحر الكاريبي، قناة بنما) هو الضامن الوحيد للبقاء، مما يعني أن الدبلوماسية الأمريكية باتت ملحقة بالآلة العسكرية التكنولوجية.

  • تآكل النظام المؤسسي الدولي: إن التهديد باستخدام القوة ضد حليف (الدنمارك) يمثل المسمار الأخير في نعش التحالفات التقليدية الموروثة من حقبة الحرب الباردة مثل (حلف شمال الاطلسي). هذا السلوك يؤكد فرضية ميرشايمر بأن المؤسسات الدولية ليست سوى أدوات بيد القوى الكبرى، يتم التخلص منها فور تعارضها مع طموحات الهيمنة الإقليمية.

  • صعود “معضلة الأمن” في أقصى صورها: إن سعي الولايات المتحدة لتحقيق الأمن المطلق عبر “عقيدة دونرو” أدى بالضرورة إلى شعور القوى الأخرى (روسيا والصين، وحتى الحلفاء الأوروبيين) بانعدام الأمن، مما دفعهم نحو موازنة عسكرية مضادة قد تؤدي إلى اشتباكات محتملة في القطب الشمالي.

  • النفط والتكنولوجيا كأدوات للهيمنة: لم يعد النفط الفنزويلي أو الموارد النادرة في غرينلاند أهدافاً اقتصادية فحسب، بل هي “أسلحة في مواجهة جيوسياسية” تهدف واشنطن من خلالها إلى تجفيف منابع القوة لدى المنافسين ومنعهم من الوصول إلى مصادر الطاقة والمواد الضرورية للصناعات الذكية.

 

الخاتمة

يمكن القول إن العالم  يتجه نحو حالة من الصدام المحتمل، يقترب أكثر من أي وقتٍ مضى من الحرب العالمية الثالثة، حيث ينهار النظام الدولي القائم منذ معاهدة يالطا بمؤسساته الدولية المختلفة، وتعود الغلبة فيه للدولة التي تملك القدرة على فرض إرادتها جغرافياً وتكنولوجياً. “عقيدة دونرو” هي الوجه المعاصر للواقعية الهجومية، وهي تنذر بأن الصراع القادم لن يكون على الأيديولوجيا، بل على “المجال الحيوي” الذي لا يقبل القسمة على اثنين.

 

 

([1]) الاحتواء عبر المجال الحيوي: يقصد به ان الولايات المتحدة ومن خلال توسيع مجالها الحيوي ووجودها فيه تستطيع أن تقوم بممارسة الاحتواء على روسيا عبر تضييق مساحات الحركة عليها في القطب الشمالي بدلا من الذهاب إلى أوروبا الشرقية و”الشرق الأوسط” وإنشاء حزام من الدول والتحالفات العسكرية في مناطق الهلال الداخلي ما ينهي عمليا الحاجة لتطبيق الاحتواء التقليدي وفق رؤية جورج كينان.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى