الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الخلاف السعودي – الإماراتي أكثر من مجرد قضية اليمن

الانقسام الإقليمي يضع الدول في المنطقة أمام ضرورة اختيار المواقف والتحالفات

بقلم: مارك لينش

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن / مدير مشروع العلوم السياسية “للشرق الأوسط”

ترجمة: صفا مهدي

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

شهدت التوترات المتراكمة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تصعيدًا دراماتيكيًا خلال الأسبوع الأخير، وقد بدأت الأزمة المباشرة الشهر الماضي عندما تقدمت القوات المدعومة إماراتيًا في اليمن من معقلها في عدن واستولت على عدد من المناطق الغنية بالنفط الخاضعة للسيطرة السعودية مع مقاومة محدودة على ما يبدو، وفي منتصف كانون الاول شنت السعودية هجومًا مضادًا عنيفًا أعاد السيطرة على هذه المناطق وأرجح أن يؤدي إلى إخراج الإمارات من اليمن كليًا.

ولم يقتصر الصراع على كونه مواجهات عسكرية محلية بل امتد ليشمل حروبًا دعائية حادة على وسائل الإعلام، فقد اتهمت الإمارات السعودية بدعم جماعة الإخوان المسلمين وممارسة البلطجة على جيران أصغر في حين وصفت السعودية الإمارات بأنها معادية للإسلام موالية (لإسرائيل)** وتدعم الانفصاليين في المنطقة بلا مسؤولية، ولغة الاتهام المتبادل بين حليفين قديمين أعادت إلى الأذهان أسوأ ما قيل عن قطر خلال الحصار المشترك 2017–2021.

وتتمثل أهمية هذا النزاع في أنه يتجاوز نطاق اليمن بل يمثل أكثر من مجرد خلاف عابر بين حلفاء خليجيين، فالخطوة السعودية تجاه الإمارات لا تهدف فقط إلى الحد من المغامرة الإماراتية بل أيضًا إلى موازنة تهديدات (إسرائيل) المتزايدة في المنطقة، وقد تجلّت مؤشرات الترتيب الإقليمي الجديد من خلال الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية السعودي إلى القاهرة حيث أكدت السلطات المصرية دعمها الكامل لمواقف الرياض بشأن ليبيا والسودان بعد أكثر من عقد من التقارب الاقتصادي والسياسي مع الإمارات، ويعكس هذا التحول إعادة تشكيل النظام الإقليمي ويضع المنطقة عند مفترق طرق في وقت تشهد فيه إيران موجة احتجاجات جديدة بينما يظل دور الولايات المتحدة غامضًا.

لطالما تبنت الإمارات سياسة إقليمية مستقلة وعُدوانية، ففي عام 2011 خلال الانتفاضات العربية عملت عن كثب مع السعودية لصد أي تغييرات ديمقراطية محتملة في المنطقة، وانضمت إلى التدخل العسكري في ليبيا 2011 والتدخل السعودي في اليمن 2015 رغم أنها لم تكن مشاركة بشكل كامل في مواجهة الانتفاضة السورية ضد بشار الأسد، ولعب رئيس الإمارات محمد بن زايد دورًا محوريًا في دعم صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى السلطة الفعلية، وفي عام 2017 تعاونت الإمارات والسعودية لفرض حصار على قطر بزعم دعمها للإخوان المسلمين وقوى الإسلاميين والديمقراطية في المنطقة.

لكن بدأت تظهر شقوق في التحالف السعودي– الإماراتي، ففي السودان دعمت السعودية ومصر الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان بينما دعمت الإمارات قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) ما أدى إلى مجزرة الفاشر المروعة في تشرين الاول 2025، وفي ليبيا دعمت الإمارات ومصر الجنرال خليفة حفتر إلا أن جهودهما توقفت وسط حرب أهلية طويلة، أما في اليمن بينما فشلت السعودية في الإطاحة بالحوثيين وركزت بشكل متقطع أنشأت الإمارات بهدوء سلسلة من الموانئ بما في ذلك عدن وجزيرة سقطرى ضمن استراتيجية أوسع للسيطرة على البحر الأحمر.

 

الموقعون على اتفاقات إبراهام

 

وأحدث توقيع الإمارات اتفاقيات إبراهام مع (إسرائيل) في 2020 تحولًا جوهريًا في العلاقة مع السعودية رغم أن الانقسامات لم تتضح إلا لاحقًا، على عكس جميع محاولات التسوية السابقة فصلت الاتفاقيات بوضوح التطبيع عن القضية الفلسطينية، وعملت الإمارات على تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي والسياسي مع (إسرائيل) بغض النظر عن تطورات النزاع الفلسطيني-(الإسرائيلي). وبدا هذا النهج ناجحًا لعدة سنوات لا سيما مع تجاهل إدارة بايدن للقضية الفلسطينية وتركيزها على دفع السعودية نحو اتفاق تطبيع منفصل، وبهذا السياق أنهت الإمارات والسعودية حصار قطر وعملت على التقارب مع تركيا وإيران، وسعت لتخفيف حدة النزاعات الإقليمية.

غير أن هذا التوازن انهار فجأة في 7 تشرين الاول 2023 مع الهجوم المفاجئ لحماس على (إسرائيل) وما تبعه من حرب فقد غيّر الدمار (الإسرائيلي) لغزة الرأي العام العربي وحسابات السعودية بشأن التطبيع، بينما حافظت الإمارات على علاقاتها مع (إسرائيل) ووضعت نفسها كـالطرف العربي الرئيسي للتواصل حول غزة بعد حماس آملة أن تثبت صحة استراتيجيتها في المحاذاة الوثيقة مع (إسرائيل) وواشنطن، أما السعودية في ظل بيئة داخلية أكثر تعقيدًا وطموحاتها الإقليمية عادت إلى موقفها التقليدي الذي يشترط التطبيع مع (إسرائيل) على مسار حقيقي نحو دولة فلسطينية، وما لم يُصرَّح به رسميًا لكنه كان مفهوماً تمامًا هو أن الرياض لم تكن تنوي الانضمام إلى أي مبادرة تقودها أبوظبي.

وصلت التوترات المتأصلة بين السعودية والإمارات إلى نقطة الغليان نتيجة تداخل عدة عوامل استراتيجية وإقليمية، لقد أثار التصعيد العسكري (الإسرائيلي) الأخير في المنطقة قلقًا كبيرًا لدى الرياض فبينما رحبت السعودية بتراجع قدرات حزب الله أعربت عن مخاوف عميقة من تداعيات أي هجوم محتمل على إيران، وأبدت معارضة قوية لتدخلات (إسرائيل) في سوريا فضلاً عن صدمتها من قصف اجتماع لحماس في الدوحة – وهو أمر أثار ردود فعل عربية واسعة. ورغم أن إضعاف إيران يعد خبرًا جيدًا من منظور سعودي، إلا أنه لم يكن كافيًا لطمأنة الرياض حيال سلوك (إسرائيل) غير المقيد في المنطقة – من ضرب غزة وتوسيع العمليات في الضفة الغربية إلى السعي العلني لهيمنة إقليمية، في هذا السياق بدا أن العلاقات بين الإمارات و(إسرائيل) جزء لا يتجزأ من مشروع إقليمي تُعتبره السعودية تهديدًا متصاعدًا.

وقد أدّت بلورة الخلاف بين السعودية والتحالف الإماراتي- (الإسرائيلي) إلى وضع جميع الدول الإقليمية أمام خيار اتخاذ موقف- وهو خيار عادة ما تسعى الدول الأصغر إلى تجنّبه في سياقات عدم الاستقرار، ويظهر أن معظم دول الخليج إلى جانب مصر تميل إلى التقارب مع الموقف السعودي في هذا الصراع.

وقد يمتد التنافس إلى ساحات حرب أهلية قائمة كما كان الحال قبل عقد من الزمن إذ أن قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا في السودان تصاعدت أعمالها، بينما يمكن أن تُهدد الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر ما تبقى من التوازن الهش في ليبيا، كما أفادت التقارير بأن الإمارات دفعت نحو تحريك ملف الانفصال الجنوبي في اليمن وهو مشروع يضعف جهود الرياض وحلفائها لتعزيز استقرار ما بعد عهد الأسد في سوريا.

ولا يقتصر هذا المشروع على (الشرق الأوسط) فحسب، إذ يجب فهم القرن الأفريقي وممر البحر الأحمر كجزء لا يتجزأ من المنافسة السعودية- الإماراتية الإقليمية، فقرار (إسرائيل) الاعتراف بـ “صوماليلاند”- المنطقة التي تسعى للاستقلال عن الصومال- يكتسب دلالة استراتيجية كونه يفتح إمكانيات جديدة لترتيبات أمنية وتجارية في باب المندب والبحر الأحمر إلى جانب ما تُمثله أدن كموقع محوري في سلاسل النفوذ، وقد رُصد هذا التحرك الدبلوماسي باعتباره محاولة لتعزيز النفوذ (الإسرائيلي) عبر تحالفات مع فواعل إقليمية في حين قوبل بانتقادات من دول إقليمية تؤكد على احترام سيادة الصومال وتعارض الاعتراف الأحادي بمناطق انفصالية.

وفي الوقت نفسه تظل مواقف واشنطن غامضة ومثيرة للقلق على مستوى المنطقة، فقد فُسّرت العملية الأميركية الغامضة ضد فنزويلا واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو في بعض الأوساط الإقليمية كإشارة إلى مشروع محتمل لتغيير النظام في إيران وهو ما تدفع (إسرائيل) بقوة لتحويله إلى واقع، كما يرى بعض التيارات المتشددة أن استراتيجيات الإمارات في البحر الأحمر يمكن أن تُستخدم للضغط ليس فقط على إيران بل أيضًا على الصين من خلال السيطرة على شبكات الملاحة البحرية الحيوية.

إلا أن العلاقات الوثيقة بين السعودية والإدارة الحالية في واشنطن- لا سيما في أعقاب زيارة ناجحة لولي العهد السعودي- قد تمنح الرياض نفوذًا أكبر في أي ترتيب دولي يُبنى في هذا السياق، وفي الوقت نفسه يمكن أن تظل إدارة ترامب المشتتة والمفتقرة إلى استراتيجية واضحة في الشؤون الخارجية مراقبة التحولات الإقليمية من الهامش، أو أن تقوم مغامرة غير محسوبة تُسرّع من النزاعات وتدفع بإنشاء نظام إقليمي جديد في اتجاهات غير متوقعة.

 

* Marc Lynch, The Saudi Arabia-UAE Dispute Is About More Than Just Yemen, FOREIGN POLICY, January 8, 2026.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى