الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

3 أدوات بيد ترامب لتصعيد الضغط على أوروبا 

مع تفاقم الاختلال في الميزان التجاري بين الجانبين يجد القادة الأوروبيون أنفسهم أمام ضرورة الاستعداد لردود أميركية محتملة قد تأخذ طابعًا عقابيًا

بقلم: أغاث ديماريه

متخصصة في الاقتصاد الجيوسياسي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

من المتوقع أن تضع بيانات التجارة الأميركية لعام 2025 التي سيجري الإعلان عنها في شباط القائمين على الإحصاء الحكومي في موقف حرج إذ يُرجّح أن تعكس نتائج لا تنسجم مع الخطاب الذي يتبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن فعالية الرسوم الجمركية في تقليص العجز التجاري، فخلافًا للتأكيدات الرئاسية المتكررة تُظهر البيانات المتاحة أن العجز التجاري الأميركي في السلع قد اتخذ مسارًا تصاعديًا واضحًا إذ اتسع خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 بنحو 77 مليار دولار، أي ما يقارب 8  % مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق وهو اتجاه يُستبعد أن تكون بيانات شهري تشرين الثاني وكانون الأول قد عكسته.

وعند البحث في مصادر الاختلال التجاري يتبيّن أن الصين لم تعد للمرة الأولى منذ سنوات الشريك التجاري الأكثر إسهامًا في العجز الأميركي، فقد سجّلت الولايات المتحدة أكبر عجز تجاري لها مع الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025 بلغ نحو 190 مليار دولار مقابل نحو 175 مليار دولار مع الصين، وفي الوقت الذي انخفض فيه الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة بنسبة 28 %خلال هذه الفترة ظل فائض الاتحاد الأوروبي شبه مستقر مقارنة بالفترة المناظرة من عام 2024.

وتشير سوابق السياسات الاقتصادية للإدارة الأميركية إلى أن اتساع هذا الاختلال قد يدفع البيت الأبيض إلى البحث عن مقاربات تصحيحية ذات طابع ضاغط تجاه الاتحاد الأوروبي، ويمكن رصد ثلاثة مسارات محتملة في هذا السياق التدخل غير المباشر في سعر صرف الدولار بهدف خفض قيمته إعادة توزيع أعباء الإنفاق الدفاعي بما ينقل جزءًا أكبر منها إلى الدول الأوروبية وتوظيف الانفتاح الدبلوماسي على روسيا كأداة لإعادة تشكيل توازنات الاقتصاد السياسي عبر الأطلسي، وقد تشكل هذه الخيارات متغيرات حاسمة في مسار العلاقات الأميركية- الأوروبية خلال عام 2026. وفي هذا الإطار قدّم ستيفن ميران عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في دراسة نُشرت عام 2024 إطارًا تحليليًا للصراع الاقتصادي المرتقب بين ضفتي الأطلسي، وتنطلق أطروحته من فرضية مفادها أن الارتفاع المبالغ فيه لقيمة الدولار يؤدي إلى تعميق العجز التجاري الأميركي عبر جعل الواردات أقل كلفة نسبيًا والصادرات أقل قدرة على المنافسة، وبناءً عليه قد ترى واشنطن أن خفض قيمة الدولار- من خلال أدوات ضغط مالية مثل دفع حاملي سندات الخزانة الأميركية الأجانب إلى تقليص حيازاتهم- يمكن أن يسهم في تضييق فجوة العجز التجاري، وقد صنّفت مؤسسة غولدمان ساكس هذا السيناريو ضمن عوامل عدم اليقين الاستراتيجي التي تستحق المتابعة خلال عام 2026.

 

مجموعة الدول السبع G7

 

وتكتسب قمة مجموعة السبع المقررة في حزيران في منتجع إيفيان الفرنسي أهمية خاصة في هذا السياق إذ قد تمثل منصة مناسبة لاختبار هذا التوجه، فالدول الأوروبية مجتمعة تمتلك ما يقرب من 20% من إجمالي السندات الأميركية المحتفظ بها خارج الولايات المتحدة أي ما يقارب ضعف حيازة اليابان أكبر مالك منفرد لهذه السندات على مستوى الدول، وخلال هذه القمة سيلتقي الرئيس الأميركي بقادة أكبر أربع دول حائزة للسندات الأميركية عالميًا وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان، ومن الناحية النظرية قد يسعى ترامب إلى استغلال هذا المحفل للضغط على هذه الدول عبر التلويح بإجراءات انتقامية في حال عدم استجابتها لدعوات بيع جزء من حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية. وإذا ما كُتب لمثل هذا النهج أن يحقق نجاحًا نسبيًا داخل إطار مجموعة السبع فمن المرجح أن يتوسع نطاقه ليشمل قوى اقتصادية أخرى، وفي مقدمتها الصين، ولا سيما خلال قمة مجموعة العشرين التي من المقرر أن يترأسها ترامب بعد ستة أشهر في ولاية فلوريدا، وفي هذه الحالة قد تتحول السياسة التجارية والنقدية الأميركية إلى أداة مركزية لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على استقرار العلاقات الاقتصادية العالمية.

بالنسبة إلى أوروبا فإن أي طلب أميركي ببيع حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية سيشكّل كابوسًا حقيقيًا فالدول الأوروبية أولًا، غير مهيأة مؤسسيًا للاستجابة لمثل هذه المطالب. إذ إن السندات الأميركية المملوكة لأوروبيين موزعة بين أطراف متعددة تشمل البنوك المركزية وطيفًا واسعًا من الصناديق الاستثمارية الخاصة، ما يجعل أي تنسيق جماعي شبه مستحيل. فضلًا عن ذلك فإن أي انخفاض حاد في قيمة الدولار- وبالتالي ارتفاع قيمة اليورو- سيكون كارثيًا بالنسبة إلى المصدّرين الأوروبيين، فكثير من هؤلاء يعتبرون ضعف الدولار مصدر قلق أكبر من الرسوم الجمركية الأميركية، وفي عام 2025 فقد الدولار نحو 12% من قيمته أمام اليورو ومع تسعير ما يقرب من ثلث صادرات الاتحاد الأوروبي بالدولار فإن أي تراجع إضافي في قيمة العملة الأميركية ستكون له تداعيات اقتصادية وخيمة على أوروبا.

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة الاتحاد الأوروبي أورسولا فون دير لاين

 

وينصبّ الجدل الأوروبي الدائر حول استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة في المقام الأول على الهجمات التي تشنّها إدارة ترامب على النموذج الديمقراطي والاجتماعي الأوروبي، غير أن فقرات أخرى في الوثيقة لا تقل إثارة للقلق إذ تشير إلى متغير مفاجئ ثانٍ قد يعصف بالعلاقات عبر الأطلسي في عام 2026، فهذه الاستراتيجية تلمّح إلى احتمال مطالبة واشنطن حلفاءها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالانضمام إلى شبكة لتقاسم أعباء الإنفاق العسكري، وقد تفاجئ المطالب الأميركية الرامية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي صانعي القرار الأوروبيين لا سيما أن عواصم الاتحاد الأوروبي ترى أن تعهد قمة الناتو في حزيران 2025 بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035 قد حسم هذا الملف نهائيًا.

وعند النظر إلى استراتيجية الأمن القومي وخطط واشنطن لرئاسة مجموعة العشرين معًا تتضح ملامح شبكة تقاسم الأعباء التي يتصورها ترامب، فمن حيث القيادة تؤكد الوثيقة أن هذه الشبكة ستكون بقيادة أميركية خالصة، أما من حيث المضمون فتشير الاستراتيجية إلى أن المساهمات المالية في هذه الشبكة ستمنح الدول المشاركة امتيازات محددة من بينها تنازلات أميركية في القضايا التجارية- أي تخفيف الرسوم الجمركية- وخصومات على المعدات العسكرية الأميركية.

وفيما يتعلق بعنصر التوقيت قد تشكل قمة مجموعة العشرين التي تقودها الولايات المتحدة محطة مفصلية لطرح هذه المطالب رسميًا، ففي أواخر عام 2025 أعلنت واشنطن أن بولندا ستكون الدولة الوحيدة من خارج مجموعة العشرين التي ستُدعى إلى القمة، ولا يبدو اختيار وارسو اعتباطيًا إذ تُعد بولندا أكبر منفق عسكري داخل الناتو قياسًا إلى نسبة الإنفاق من الناتج المحلي الإجمالي مع تقديرات تشير إلى إنفاقها نحو 4.5% من ناتجها المحلي على الدفاع في عام 2025، وقد يسعى ترامب إلى توظيف النموذج البولندي للضغط على بقية حلفاء الناتو للانضمام إلى شبكة تقاسم الأعباء التي يطرحها. أما المتغير المفاجئ الأخير فيتصل بمسار المفاوضات مع روسيا وأوكرانيا، إذ تسلط استراتيجية الأمن القومي الضوء على رؤية الإدارة الأميركية التي تركز على الموارد ولا سيما تأمين إمدادات المعادن الحيوية وتوسيع إنتاج الوقود الأحفوري، وفي هذا السياق يسهل تصور أن يقدم ترامب على إبرام صفقات مع موسكو في هذين المجالين بما يمنح الشركات الأميركية أفضلية تنافسية على حساب نظيراتها الأوروبية.

وفيما يخص المعادن الحيوية تُعد روسيا منتجًا رئيسيًا لعدد كبير منها بما في ذلك الأنتيمون (23% من الإمدادات العالمية) والمغنيسيت (11%) والبلاديوم (42%) والبلاتين (12%)، والفاناديوم (19%)، ومن شأن اتفاق يمنح الشركات الأميركية وصولًا تفضيليًا إلى البلاديوم والتيتانيوم الروسيين أن يضع شركات الاتحاد الأوروبي في موقف بالغ الصعوبة، إذ لا يزال التكتل يعتمد على الإمدادات الروسية من هذين المعدنين وهما عنصران حيويان لقطاعي صناعة السيارات والطيران.

أما في قطاع الطاقة الأحفورية فتشير مرسومان روسيان صدرا في ظروف لافتة إلى أن واشنطن وموسكو قد تكونان بصدد تمهيد الطريق لعودة شركات الطاقة الأميركية الكبرى إلى السوق الروسية، ففي يوم القمة التي جمعت ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا في آب 2025 سمحت موسكو للشركات الأجنبية بالعودة إلى مشروع سخالين-1 للنفط والغاز في أقصى الشرق الروسي، وكانت شركة إكسون موبيل الأميركية تمتلك حصة قدرها 30%  في المشروع قبل أن تصادر الحكومة الروسية استثمارها البالغ 4,6 مليارات دولار في عام 2022، وقد حالف الحظ الشركة مجددًا عندما وقّع بوتين في أواخر كانون الأول 2025 مرسومًا آخر أجّل الموعد النهائي لإتمام بيع حصتها في المشروع لمدة عام إضافي حتى عام 2027.

وتدرك واشنطن أن الرفع الكامل للعقوبات عن روسيا- التي تشمل إجراءات فرضتها بريطانيا وكندا واليابان والاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع ككل- أمر غير واقعي في المدى المنظور، غير أن هذا الواقع قد يصب في مصلحة الولايات المتحدة إذ يمكن منح شركات الطاقة الأميركية مثل إكسون موبيل إعفاءات خاصة من العقوبات الأميركية تتيح لها الاستثمار في روسيا على غرار التراخيص التي حصلت عليها شركة شيفرون للعمل في فنزويلا منذ عام 2019، وبذلك تستطيع واشنطن تبني سياسة مماثلة تجاه موسكو مع التذرع بأن الوقت لا يزال مبكرًا لرفع العقوبات كليًا، وفي هذه الحالة لن تكون الإعفاءات متاحة إلا للشركات الأميركية في حين تظل الشركات الأوروبية خاضعة للعقوبات الأميركية ومحرومة فعليًا من دخول السوق الروسية.

وكما كان العالم الفرنسي لويس باستور يقول “الحظ لا يبتسم إلا للعقول المستعدة”، وبينما ينهمك القادة الأوروبيون في صياغة قراراتهم للعام 2026 فإن الخطوة المفاجئة التي أقدمت عليها واشنطن باحتجاز الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني تشي بأن على صانعي القرار في الاتحاد الأوروبي أن يضعوا سيناريوهات المفاجآت في صميم تفكيرهم بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي خلال هذا العام، فحتى إن تعذّر تغيير مسار ترامب في حال مضيه قدمًا في أي من هذه الخطط قد يتمكن قادة الاتحاد- على الأقل ومع قدر من الحظ- من تفادي الوقوع في دائرة المفاجأة الكاملة.

 

* Agathe Demarais, Trump’s Three Options to Turn the Screws on Europe, Foreign Policy, January 12, 2026.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى