الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
تراجع الخيار العسكري الأميركي ضد إيران
قراءة تحليلية في محددات القرار وديناميات الوساطة الخليجية

بقلم: الباحثة تبارك علي جابر
جامعة ميسان/ كلية العلوم السياسية
تشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المرحلة الراهنة جملة من التحولات المركبة، تتقاطع فيها الضغوط الداخلية مع التعقيدات الإقليمية والدولية، ضمن سياق بالغ الحساسية يعكس طبيعة التحولات الجارية في بنية النظام الدولي. فإيران، التي ترزح تحت وطأة أزمات اقتصادية متراكمة وعقوبات دولية خانقة، تجد نفسها أمام معادلة استراتيجية دقيقة تسعى من خلالها إلى إدارة أزماتها الداخلية والحفاظ على موقعها الإقليمي، في ظل تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة وحلفائها.
في هذا الإطار، برز التراجع الأميركي عن توجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران بوصفه مؤشراً دالاً على إعادة تقييم واشنطن لأدواتها في إدارة الصراع. فبعد تصاعد الخطاب التصعيدي والتلويح المتكرر بالخيار العسكري، اتجهت الولايات المتحدة إلى تبني مقاربة أكثر حذراً تقوم على ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تكون كلفتها الاستراتيجية والسياسية والأمنية باهظة.
وتشير المعطيات إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان يشترط في أي عمل عسكري محتمل ضد إيران أن يكون تدخلاً خاطفاً وسريعاً، يحمل طابعاً حاسماً يفضي إلى إسقاط النظام الإيراني دون التورط في حرب طويلة الأمد تمتد لأسابيع أو شهور، على غرار التجارب الأميركية السابقة في (الشرق الأوسط). غير أن هذا التصور اصطدم بواقع أكثر تعقيداً، إذ لم يتمكن مستشارو ترامب في حينه من تقديم ضمانات حقيقية بشأن إمكانية انهيار النظام الإيراني سريعاً عقب الضربة.
بل تصاعدت داخل المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأميركية مخاوف جدية من أن الولايات المتحدة قد لا تمتلك، في ذلك التوقيت، كامل الأصول العسكرية والقدرات الدفاعية اللازمة لاحتواء رد الفعل الإيراني المتوقع، ولا سيما في ظل امتلاك طهران أدوات ردع غير متماثلة وقدرتها على توسيع نطاق المواجهة لتشمل ساحات إقليمية متعددة، بما في ذلك استهداف الحلفاء الأميركيين في المنطقة.

وبناءً على هذه الحسابات، جرى تأجيل الضربة العسكرية بالتوازي مع تحركات عسكرية أميركية لافتة هدفت إلى رفع مستوى الجاهزية والضغط السياسي. فقد أُعيد تموضع حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى بحر العرب، على أن تلتحق بها المدمرات المرافقة خلال فترة زمنية قصيرة، كما وصلت حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» فعلياً إلى البحر الأحمر، في مؤشر واضح على محاولة واشنطن تعزيز حضورها العسكري في مسارح قريبة من إيران.
غيرأن تنفيذ عمل عسكري واسع النطاق لا يقتصر على تحريك حاملات الطائرات، بل يتطلب إعادة انتشار شاملة تشمل الطائرات المقاتلة، وعمليات التزود بالوقود جواً، وانتشار السفن الحربية، فضلاً عن إخلاء أو تحصين القوات الأميركية المتمركزة في القواعد العسكرية بدول الخليج. وهي إجراءات شديدة التعقيد ومرتفعة الكلفة، تصل نفقاتها إلى مليارات الدولارات، ما يجعل قرار الحرب عبئاً استراتيجياً ثقيلاً لا يمكن التعاطي معه بوصفه خياراً سهلاً أو منخفض التكاليف.
وفي موازاة ذلك، شهدت (إسرائيل) حالة استنفار أمني وعسكري غير مسبوقة، تمثلت في نشر منظومات الدفاع الجوي على نطاق واسع، وفتح الملاجئ، ورفع مستوى الجاهزية في جيش الاحتلال، في ظل تقديرات استخباراتية رجحت أن يكون الرد الإيراني، في حال وقوع ضربة أميركية، موجهاً نحو (إسرائيل) باعتبارها الحليف الاستراتيجي الأوثق لواشنطن في المنطقة.
وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة أبلغت (إسرائيل) بأن الهجوم على إيران قد يجري خلال ساعات الليل، ما دفع تل أبيب إلى الاستعداد لكافة السيناريوهات الممكنة، سواء الدفاعية أو الهجومية. غير أنه في ساعات الفجر، وفي ذروة تلك الاستعدادات، جرى تواصل هاتفي عاجل من واشنطن إلى تل أبيب حمل رسالة مقتضبة وحاسمة مفادها: «أوقفوا المسار»، في إشارة صريحة إلى تعليق العملية العسكرية والعدول عن خيار الضربة.
في هذا السياق البالغ التعقيد، برز الدور الخليجي، ولا سيما السعودي والقطري والعماني، بوصفه عامل توازن ووساطة فاعلة أسهمت في كبح مسار التصعيد. فقد تحركت هذه الدول عبر قنوات دبلوماسية مباشرة وغير مباشرة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع كل من واشنطن وطهران، لنقل رسائل متبادلة هدفت إلى منع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة كانت ستفضي إلى تداعيات خطيرة على أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
وعليه، يمكن القول إن تراجع الولايات المتحدة عن الخيار العسكري ضد إيران، في ظل هذه الوساطة الخليجية، يمثل لحظة سياسية كاشفة لطبيعة التوازنات الجديدة في (الشرق الأوسط). فهو من جهة يعكس حدود القوة الصلبة وعجزها عن حسم الصراعات المعقدة، ومن جهة أخرى يؤكد تصاعد أهمية الدبلوماسية الوقائية والوساطة الإقليمية بوصفها أدوات أكثر فاعلية في إدارة الأزمات. ويبقى مستقبل العلاقة الأميركية الإيرانية مرهوناً بمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل التهدئة الظرفية إلى مسار سياسي مستدام يحد من منطق المواجهة ويؤسس لتوازن إقليمي أكثر استقرار.



