الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الحرب السودانية وأبعادها الإقليمية تصعيد النزاع المحلي إلى أزمة شاملة

بقلم: أليكس دي وال
ترجمة: صفا مهدي
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
في صيف العام الماضي وبعد أكثر من عامين من القتال العنيف بدا أن الولايات المتحدة قد توصلت إلى مقاربة قابلة للتطبيق لإنهاء الحرب الأهلية في السودان، منذ اندلاع الصراع في نيسان 2023 شهدت الدولة انهيارًا شبه كامل لمؤسساتها وتفاقمت معاناة السكان لتصبح أكبر أزمة إنسانية عالمية حيث تأثر ملايين المدنيين بشكل مباشر بانعدام الأمن الغذائي ونقص الخدمات الأساسية، وقد تحركت خطوط المعارك بشكل متقلب عبر كامل التراب السوداني مخلفة دمارًا واسع النطاق في العاصمة الخرطوم وعدد كبير من المدن الأخرى.
يهيمن اليوم على الخرطوم والمناطق الواقعة شرق نهر النيل القوات المسلحة السودانية (SAF) بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، بينما تسيطر قوات الدعم السريع (RSF) بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو “حميدتي” على الجزء الغربي من البلاد، بما يعكس انقسامًا عميقًا في الدولة السودانية على أساس السيطرة الإقليمية على الموارد والطرق الاستراتيجية.
في حزيران 2025 عقدت إدارة ترامب اجتماعًا لما يُعرف بـ “الرباعية” والتي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة بهدف صياغة مسار للسلام، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدول لم تكن مجرد وسطاء فقد لعبت دورًا محوريًا في النزاع إذ دعمت مصر والسعودية القوات الحكومية في حين قدمت الإمارات دعمًا لقوات الدعم السريع على الرغم من النفي الرسمي، وكان الأمل أن يسهم اتفاق رباعي متين في إقامة وقف إطلاق نار مستدام وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. غير أن التوقعات التي رُبطت بتدخل الإدارة الأمريكية لإنعاش عملية السلام لم تتحقق عمليًا، ففي ايلول أعلنت الرباعية خطة تضمنت وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وبدء مفاوضات سياسية تهدف إلى حكومة مدنية، ومع ذلك بعد شهر واحد فقط ومع توقف المباحثات حول تنفيذ الخطة نفذت قوات الدعم السريع أفظع المذابح في الحرب السودانية. فقد سيطرت هذه القوات على مدينة الفاشر في إقليم دارفور بعد حصار غذائي دام 18 شهرًا وأسفرت العمليات عن:
مقتل نحو 7,000 مدني بينما لا يزال أكثر من 100,000 شخص في عداد المفقودين
معظمهم فرّوا إلى مناطق نائية على مسافة مئات الكيلومترات، ولم تقتصر الانتهاكات على عمليات القتل بل تم توثيق التعذيب والقتل في فيديوهات تم تداولها على نطاق واسع، ما يشير إلى انتهاكات جسيمة للقوانين الإنسانية الدولية.
رغم إدانات المجتمع الدولي لم يتوقف القتال خلال الأشهر الثلاثة التالية، حاليًا تحاصر قوات الدعم السريع مدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان مع استهداف مباشر للمدنيين بما في ذلك الأطفال في مؤسسات تعليمية، وفي الوقت نفسه تستمر كل من القوات الحكومية والدعم السريع في تلقي إمدادات عسكرية من رعاتهم الخارجيين. فقد لوحظ منذ تشرين الاول زيادة في رحلات الشحن العسكري إلى مطارات تحت سيطرة الدعم السريع مع نشر طائرات مسيرة متطورة صينية الصنع واستخدام مرتزقة أجانب حيث تم رصد هذه الإمدادات من الإمارات، وبفضل هذه التعزيزات قد تشكل قوات الدعم السريع تهديدًا مباشرًا للخرطوم التي كانت قد سيطرت عليها سابقًا قبل أن تستعيدها القوات الحكومية، في المقابل واصلت مصر وتركيا تزويد القوات الحكومية بالأسلحة.
يمثل استمرار الصراع خطرًا متزايدًا لتحوله إلى نزاع إقليمي شامل فقد بدأت الحرب تتشابك مع مصالح دول الجوار الأفريقي إذ تمتد خطوط إمداد قوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا والصومال وجنوب السودان وقد تشمل قريبًا إثيوبيا وكينيا، كما أن التجنيد في صفوف الدعم السريع يشمل المجتمعات الريفية والبدو الرحل تاريخيًا في غرب إفريقيا الساحلية ومنذ سقوط الفاشر وردت تقارير عن مجموعات رعوية عربية تعبر الحدود من جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد للسيطرة على الأراضي الفارغة حديثًا، كما أن الحرب السودانية مرتبطة بالتوترات المتزايدة بين إريتريا وإثيوبيا ما يهدد بالتحول إلى صراع إقليمي شامل. من خلال جمع الرباعية أدركت واشنطن بشكل صحيح أن السبيل لإنهاء الحرب السودانية يمر عبر الخليج، غير أن ما لم يدركه كثيرون هو أن هذا الصراع أصبح دوليًا بطرق جديدة ومختلفة عن النزاعات السودانية السابقة، فالدولة الإقليمية التقليدية في السودان- وكذلك في أجزاء من إفريقيا و(الشرق الأوسط)- بدأت تتضاءل أمام إقطاعيات عابرة للحدود تديرها أمراء حرب يعتمدون على رعاة أجانب ذوي موارد مالية كبيرة، وقد جعل هذا الصراع رغم رفض السكان المحليين له ومعاناتهم الكبيرة أكثر صعوبة في احتوائه والسيطرة عليه وبدون تدخل حازم وحاسم من أعلى مستويات الإدارة الأمريكية السابقة هناك خطر حقيقي أن تمتد الحرب السودانية لتشمل القرن الإفريقي وادي النيل ومنطقة الصحراء- الساحل لتتحول إلى أزمة إقليمية واسعة ومعقدة.

مذبحة الدولة
يُعد إنهاء الحرب في السودان تحديًا بالغ الصعوبة حتى في ظل ظروف مؤاتية فقد استقطبت مذبحة الفاشر في تشرين الاول اهتمام المجتمع الدولي نظرًا لدرجة وحشيتها الاستثنائية لكنها كانت مجرد تجلٍ بارز لنمط متواصل من الانتهاكات والفظائع التي عصفت بكافة أرجاء البلاد منذ اندلاع القتال، فقد عكست أحداث الفاشر القتل الجماعي الذي شهده غرب دارفور في الأشهر الأولى من الحرب والذي وصفته وزارة الخارجية الأمريكية بأنه إبادة جماعية محتملة، كما مثّل الاستيلاء على مدينة الفاشر نسخة مركزة من الانتهاكات المروعة التي شهدتها العاصمة الوطنية في الأشهر الأولى من النزاع حيث اجتاحت قوات الدعم السريع الأحياء مرتكبة عمليات نهب وقتل واغتصاب بشكل ممنهج.
ويزعم محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع وحلفاؤه أن مشروعهم يستهدف تفكيك الدولة السودانية المعاصرة منذ 1956 في إشارة إلى السودان الذي استقل عن الحكم الاستعماري البريطاني في 1 كانون الثاني من ذلك العام ووفقًا لسردية قوات الدعم السريع فإن الدولة السودانية سيطرت عليها نخبة عسكرية وتجارية ومنذ الثمانينات إسلاميون الذين حولوا الحكومة إلى نادي نخبة استغلت الأقاليم لتحقيق مكاسب شخصية، ويقول مؤيدو هذه الرواية إن هذا استمر إلى أقصى حد خلال حكم عمر البشير الذي استمر ثلاثة عقود (1989–2019) وأن القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان تمثل مجرد استمرار لـ”الدولة العميقة”، وقد لاقت هذه الرسالة صدىً واسعًا بين الفئات الفقيرة والمهمشة في المناطق الريفية خصوصًا في دارفور رغم أن حل قوات الدعم السريع لم يكن إصلاح الدولة بل نهبها وتجريد المواطنين من مواردهم.
بعد أكثر من عامين من العنف المفرط بما في ذلك النهب والاغتصاب والمجازر في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء أصبح المجتمع السوداني أكثر انقسامًا من أي وقت مضى، ويعكس حجم السمية والعداء في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك في الاشتباكات الشخصية بين أنصار كل طرف مستوى استثنائيًا من المرارة والخوف والكراهية رغم أن البلاد شهدت عقودًا من الحروب المتكررة. معظم السودانيين ما زالوا يؤيدون أهداف ثورة 2019 عندما خرج الشعب في احتجاجات سلمية مطالبة بإنهاء الحكم العسكري ومكافحة الفساد ووضع حد للحروب المستمرة، وقد شكلت تحالفات واسعة من المنظمات المدنية والأحزاب السياسية أملًا في بناء ديمقراطية حقيقية تقوم على مؤسسات مسؤولة واقتصاد مزدهر، لكن هذه الآمال تلاشت عندما تآمر البرهان وحميدتي على إزالة القيادة المدنية ثم تحول حلم الديمقراطية إلى رماد نتيجة الصراع المباشر بين الجنرالين.
منذ بداية الحرب تم اقتراح نصف دزينة من خطط السلام التي تهدف إلى إعادة الحكم المدني لكنها جميعًا اعترفت بأن المدنيين أضعف بكثير من الجنرالات ولم يبدأ أي مسار سلام رسمي حتى الآن، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب دعت السعودية والولايات المتحدة ممثلي الأطراف المتحاربة إلى جدة لمحاولة التوصل إلى وقف إطلاق نار، وقد وقع الطرفان على إعلان التزام باحترام المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وهو وعد تم انتهاكه على الفور، ومنذ ذلك الحين توقفت جهود الوساطة واستمر كل طرف في الاعتماد على داعمه الخارجي لتزويده بالأسلحة من أجل هجماته القادمة وبينما يغرق البلد في أزمة غذائية حادة لا تزال كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تمتلك الموارد اللازمة للاستمرار في القتال.

لغز الدور الإماراتي
مع استمرار الحرب في السودان أصبح الدور الإماراتي معقدًا ومثيرًا للجدل بشكل خاص، ففي حين تدعم كل من مصر وقطر والسعودية وتركيا القوات المسلحة السودانية هناك أدلة متزايدة على أن الإمارات تقدم أسلحة لقوات الدعم السريع لدعم حملاتها العسكرية المستمرة، وبما أن أبو ظبي تنفي أي تورط مباشر فقد كان من المستحيل على الوسطاء الدخول في حوار مباشر مع المسؤولين الإماراتيين بشأن أولويات الإمارات، استراتيجيتها، وإمكانيات التوصل إلى تسويات.
يتناول المحللون والدبلوماسيون هذا الدعم الإماراتي باعتباره لغزًا صعب التفسير ويُرجح أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيانأقام علاقة حماية ومُرَاعَة مع حميدتي قبل عشر سنوات عندما وفرت قوات الدعم السريع جنودًا في اليمن لمحاربة الحوثيين، ففي عام 2015 عندما شن الحوثيون هجومًا سريعًا استولى خلاله على صنعاء قاد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تحالفًا لإعادة الحكومة المعترف بها دوليًا وانضمت الإمارات بنشر قواتها البرية والجوية لكن استمرار الحرب دون تحقيق النصر المرجو أدى إلى شرخ في التحالف السعودي- الإماراتي إذ فضلت السعودية إبرام هدنة مع الحوثيين بينما ركزت الإمارات على تأمين الموانئ والمنشآت البحرية الحيوية في اليمن ودعمت لذلك المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي. الشهر الماضي فقط شنت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي هجومًا ضد حلفائها الظاهرين في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ما زاد من حالة عدم الاستقرار وأعمق الانقسام بين أبو ظبي والرياض.
تتبنى الإمارات أيضًا موقفًا مختلفًا عن الإخوان المسلمين في السودان الذين يدعمون القوات المسلحة مقارنة بالموقف السعودي، فبينما تتبع السعودية النهج المصري في الثقة بقدرة البرهان على ضبط الإسلاميين لا تتسامح الإمارات مع أي وجود لهم في مواقع السلطة، كما توجد علاقات تجارية بين الإمارات وقوات الدعم السريع إذ تصدر شركة عائلة حميدتي الذهب السوداني إلى دبي لكن المصالح التجارية وحدها لا تفسر التحالف الإماراتي. العامل الرئيسي في البُعد الإقليمي للصراع السوداني هو التنافس الحاد بين الإمارات والسعودية وبالتحديد بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، حول من سيكون القوة المؤثرة الرئيسة في شبه الجزيرة العربية ومنطقة البحر الأحمر، وكما حدث في اليمن يمتد هذا التنافس الآن إلى ليبيا والسودان وسوريا وقرن إفريقيا حيث تقف الإمارات والسعودية على أطراف متقابلة في عدد من النزاعات، رغم علاقاتهما التاريخية الأخوية.

مع اندلاع الحرب بين البرهان وحميدتي في 2023 كان من الواضح لجميع المراقبين أن إشراك الإمارات في عملية السلام أمر لا غنى عنه، وقد تم إدراك أن أي خارطة طريق لإنهاء الحرب تتطلب تدخلًا أمريكيًا على أعلى مستوى للتواصل مع أبو ظبي أي من قبل وزير الخارجية المدعوم من الرئيس، ومع ذلك طوال 2023 و2024 بينما كانت السودان تغرق في النزاع فشلت إدارة بايدن في التحرك على أعلى المستويات.
مع تولي إدارة ترامب السلطة في أوائل 2025 قام وزير الخارجية ماركو روبيو بما لم يفعله سلفه فبدعوته اجتمع “الرباعي” في حزيران وأصدر بيانًا في ايلول، وكان من المفترض أن يجتمع الرباعي مرة أخرى بعد شهر للإعلان عن خطة لوقف إطلاق النار لكن البرهان أبلغ رعاته المصريين بأنه ليس مستعدًا لهذه الخطوة على الأرجح خشية رفض مجموعات داخل تحالفه الممزق، اعتبرت قوات الدعم السريع تلك المماطلة بمثابة ضوء أخضر للهجوم على الفاشر وهو ما حدث في اليوم التالي، ويُرجح أن حميدتي اعتقد أنه يمكنه تحميل القوات المسلحة السودانية مسؤولية المماطلة ولم يتوقع أن تؤدي وحشية مقاتليه التي بثتها الفيديوهات المروعة على المستوى العالمي إلى جذب اهتمام المجتمع الدولي بشكل واسع.
في تلك اللحظة كان من الممكن أن يتيح تدخل خاص وحازم من ترامب تجاه محمد بن زايد للإمارات إمكانية تقديم تسوية تحفظ ماء الوجه وربما كان يمكن الإعلان عن اتفاق مدعوم من كلا الطرفين الخليجيين، ومع ذلك وبعد اجتماعه مع محمد بن سلمان تحدث ترامب علنًا قائلًا “جلالة الملك يريد مني أن أفعل شيئًا قويًا جدًا بشأن السودان” وأضاف لاحقًا “ما يحدث هناك مروع”، عند هذه النقطة أي خطوة إماراتية للانضمام إلى خطة مشتركة كانت ستُعتبر تنازلاً علنيًا، وبدلًا من تعزيز خطة الرباعي جاء التصريح العلني ليضعها في موضع الخطر.
تبعات الصراع السوداني على القرن الإفريقي
مع تعمّق تورط الدول الداعمة للسودان يبرز الصراع على أنه تهديد متصاعد للأمن والاستقرار في كامل منطقة القرن الإفريقي، ففي إثيوبيا وإريتريا حيث يدعم نفس الرعاة الإقليميون أطرافًا مختلفة في الصراع السوداني تتجدد المخاطر الأمنية، فالقادة الإثيوبي أبي أحمد والإريتري إسياس أفورقي اللذان كانا حلفاء خلال الحرب الأهلية الإثيوبية في 2020–2022 ضد جبهة تحرير تيغراي أصبحا الآن في حالة توتر متزايد قد تصل إلى صراع مفتوح، وتراقب جمهورية مصر العربية بقلق بناء السدود على نهر النيل في إثيوبيا وتدعم إريتريا ما يضع الأخيرة في تحالف مباشر مع القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان.
حتى الآن نجحت إثيوبيا في تجنب الانخراط المباشر في الحرب السودانية لكن هناك عدة نقاط توتر محتملة من بينها النزاع غير المحلَّ بين السودان وإثيوبيا على منطقة مثلث الفشقة الحدودية، كما يشارك قسم من القوات التي يقودها التيغرايون إلى جانب القوات المسلحة السودانية وهم في الأصل قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة كانت منتشرة على الحدود بين السودان وجنوب السودان لكنهم رفضوا العودة إلى بلادهم خلال الحرب بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي ولعبوا دورًا حاسمًا في الدفاع عن شرق السودان ضد قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي، لا تزال هذه القوات منتشرة على خطوط الجبهة ومن غير الواضح كيفية تصرفها إذا اندلعت الحرب بين إثيوبيا وإريتريا خصوصًا إذا قررت دولة الإمارات العربية المتحدة تكثيف دعمها لقوات الدعم السريع من خلال الضغط على إثيوبيا لفتح قاعدة لها على أراضيها.
أما دولة جنوب السودان فهي غارقة في أزمة سياسية داخلية وتحاول الموازنة بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية وهو ما يجعلها تسير على حبل دبلوماسي شديد الدقة، فقد دعا الجنرال عبد الفتاح البرهان الجيش الجنوب سوداني شمال الحدود لمساعدة القوات السودانية في تأمين أكبر حقل نفطي في منطقة هِگليغ وعندما اضطرت القوات المسلحة السودانية إلى الانسحاب في أوائل كانون الاول تحت هجمات قوات الدعم السريع اختارت حكومة جنوب السودان التعاون مع القوات القادمة من الدعم السريع، ويدرك شركاء جمهورية مصر العربية بما في ذلك القيادة السياسية والعسكرية المأزق الذي يواجهه الرئيس سلفا كير لكن أي تحوّل لدعم قوات الدعم السريع قد يفتح المجال لدعم جماعات متمردة متعددة في البلاد.
في هذه الأثناء تواجه جمهورية مصر العربية ضغطًا متصاعدًا بين الأزمات في غزة وليبيا واقتصاد داخلي راكد وهو ما يجعل أي تداعيات سودانية تقود الى أزمة إضافية، كما تسعى مصر إلى موازنة اعتمادها على الاستثمارات الإماراتية مع دعمها التقليدي للقوات المسلحة السودانية ومعارضتها لإثيوبيا خصوصًا بشأن سد النهضة، ورغم تحالفها مع تركيا لدعم الجنرال عبد الفتاح البرهان فإنها تبدي حذرًا تجاه الدعم التركي للإسلاميين في السودان.
تكتسب السواحل السودانية على البحر الأحمر أهمية استراتيجية متزايدة فالمنطقة تشكّل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية وتتصاعد أهميتها الجيوسياسية، قبل عشرين عامًا كان وجود القوى الأجنبية في البحر الأحمر وخليج عدن مقتصرًا على فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية عبر قواعدهما في جيبوتي وكانت مسألة أمن الملاحة البحرية محسومة، لكن منذ ذلك الحين شهدت المنطقة سباقًا محمومًا لتأسيس قواعد عسكرية فقد افتتحت جمهورية الصين الشعبية أول منشأة بحرية عسكرية لها في جيبوتي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر بينما تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة سلسلة من الموانئ على جزيرة سقطرى الاستراتيجية، ووقعت جمهورية تركيا عقد إيجار لمدة 99 عامًا لتطوير ميناء سوداني في مدينة سواكن ربما تمهيدًا لإنشاء قاعدة بحرية.
من منظور دولة (إسرائيل)** يشكّل البحر الأحمر أولوية للأمن القومي، ففي أوائل العقد الأول من القرن الحالي كانت إيران تهرّب أسلحة إلى حركة حماس عبر الأراضي السودانية ومنذ عامين ومع بدء هجمات الحوثيين على السفن الدولية، أعلنوا تضامنهم مع الفلسطينيين ما عزز أهمية المنطقة استراتيجيًا. تصاعدت المخاطر الإقليمية في أواخر كانون الاول عندما اعترفت دولة (إسرائيل) بمفوضية صوماليلاند كدولة مستقلة عن الصومال ما عمّق التنافس الإقليمي بين دولة الإمارات العربية المتحدة، التي توسطت في الاتفاق (الإسرائيلي)- صوماليلاند وتدعمه وبين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا الذين يعارضونه، ولا ترغب أي من هذه الدول في ترك منافس محتمل أو حتى عدو محتمل يسيطر على أراضٍ يمكن أن تحاصر هذا الممر الاستراتيجي الحيوي.
اختبار عالمي
مع وصول الحرب في السودان إلى يومها الألف في التاسع من كانون الثاني بلغ عدد الضحايا عشرات الآلاف نتيجة العنف فيما توفي العديدون بسبب الجوع والأمراض المرتبطة بالأزمة الإنسانية، يحتاج نصف سكان البلاد البالغ عددهم ستة وأربعين مليون نسمة إلى مساعدات غذائية عاجلة بينما فقد ربعهم منازلهم، دُمرت مدن بأكملها وتراجعت الدولة الوطنية اقتصادياً إلى الوراء لسنوات ما يعكس أثر الصراعات الإقليمية على الأمن والاستقرار المحلي. هذه الدمار الشامل يمثل تبعات مباشرة للتنافس بين القوى الإقليمية في (الشرق الأوسط) حيث تبدو القارة الإفريقية غائبة عن المعادلة الفعلية، إذ تلعب جمهورية مصر العربية وجمهورية إثيوبيا أدوارًا هامشية في حين يظل لكل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة الدور الأكبر والأكثر تأثيرًا على مستقبل السودان، في هذه المعادلة من المرجح أن أي عملية سلام- سواء أفضت إلى وحدة السودان أو تقسيمه- ستضع الدولة تحت تأثير ووصاية الدول الخليجية.
على الصعيد الأوسع يشمل الصراع أطرافًا دولية عدة أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية الحليف التقليدي لكلا الدولتين الخليجيتين وروسيا التي طالما سعت إلى تعزيز حضورها في شمال شرق إفريقيا، عند اندلاع الحرب كانت شركة فاغنر الروسية تتعاون مع قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو لكن روسيا غيرت لاحقًا موقفها ودعمت القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، مستثمرة في مشاريع تعدين الذهب في الأراضي الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية وتسعى إلى الحصول على ميناء استراتيجي على البحر الأحمر، كما استخدمت روسيا حق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لدعم سيادة الحكومة السودانية في إدارة المساعدات العابرة للحدود مما أعاق وصول المساعدات الإنسانية إلى دارفور.
يوضح الصراع السوداني حقيقة قاسية لم تعد الحروب في القرن الإفريقي محلية، قد يبدأ الصراع من نزاعات داخلية أو حاضنات اجتماعية محلية لكنه لم يعد محصورًا ضمن الحدود الوطنية ولا يمكن التوصل إلى حلول حقيقية عبر التفاوض بين الأطراف الوطنية فحسب، فالحروب الأهلية السابقة في السودان- سواء الحربان الشمال- جنوب أو النزاع السابق في دارفور- قد تجاوزت الحدود لكنها كانت في النهاية قابلة للحل داخليًا، اليوم يتطلب السلام في السودان إطارًا إقليميًا أو حتى عالميًا.
على الرغم من التحديات يواصل الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته السعي لتحقيق وقف إطلاق النار وهو هدف صعب التحقيق، العقبة الفورية ليست دولة الإمارات العربية المتحدة بل الجنرال عبد الفتاح البرهان الذي يواجه صعوبة في فرض الانضباط على قادته الميدانيين، سيكون هذا اختبارًا لقدرة البيت الأبيض على التوسط في صفقة لا تحقق نتائج آنية وقدرة جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية على ضمان امتثال الجنرال البرهان ورغبة دولة الإمارات العربية المتحدة في ممارسة ضبط النفس، ولكي تكون أي صفقة أكثر من مجرد توقيع رمزي ستحتاج إلى مهارات دبلوماسية صبورة وتنسيق مع المنظمات متعددة الأطراف.
لقد فقدت كل من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي اللتان كانتا تتمتعان في السابق بالقدرة على توجيه الدبلوماسية الدولية في السودان معظم تأثيرهما ومع ذلك تشير التجارب الأخيرة إلى أن أي اتفاق للسلام سيحتاج إلى وجود قوات حفظ سلام لمراقبة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، فقد وفرت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي هذه الخدمة الحيوية لمدة عشرين عامًا لكن بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور أُغلقت منذ ست سنوات، إعادة إنشاء ونشر قوة حفظ سلام ستكون مهمة صعبة ومكلفة لكنها أقل كلفة من السماح باستمرار الحرب بلا حدود وهو السبيل الوحيد لاستعادة الدور الفعّال للمؤسسات متعددة الأطراف والقارة الإفريقية ككل.
بوجود قوات حفظ سلام إفريقية على الأرض يمكن انتزاع عملية السلام من هيمنة الحكام العرب المستبدين ومنح الشعب السوداني فرصة حقيقية لإرساء حكم مدني وبناء مؤسسات ديمقراطية، العناصر اللازمة لتحقيق السلام في السودان معروفة منذ أكثر من عشرين عامًا من الخبرة العملية في إدارة النزاعات في البلاد لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الأطراف الدولية التي تقود النزاع حاليًا على تطبيق هذه المعرفة، إذ أصبح السودان نموذجًا تحليليًا لحرب دولية جديدة النوع وسيشكل اختبارًا حاسمًا لمدى إمكانية صناعة السلام في ظل ظروف إنسانية وسياسية معقدة للغاية.
* Alex de Waal, The War That Outgrew Sudan Middle East Rivalries Are Turning a Local War Into a Regional Crisis, FOREIGN AFFAIRS, January 8, 2026.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.
الحرب السودانية



