الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
لماذا لا تتحول الاحتجاجات في إيران إلى عامل تغيير؟

بقلم: الباحث بختيار أحمد صالح
على الرغم من استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في إيران، فإن الاحتجاجات الجماهيرية نادرًا ما تصل إلى مستوى إحداث تغيير فعلي. فالتغيير يتطلب مشاركة غالبية المجتمع في وقت واحد، وبدرجة عالية من التنسيق والاستعداد للتضحية الجماعية. يبيّن هذا المقال، بالاستفادة من مفاهيم علم الثورات، وعلم النفس الاجتماعي، ودراسات الحركات الاجتماعية، أن غياب أيديولوجيا جامعة، وانعدام القيادة الكاريزمية، وتآكل رأس المال الاجتماعي، وإدارة المخاطر الاقتصادية، ودور الفضاء الإلكتروني في تفريغ الغضب، واختلال ميزان القوى، والتأخر في فهم أساليب النضال السياسي الحديثة؛ كلها تشكل أهم العوائق أمام تحوّل الاحتجاجات إلى تغيير جذري.
الاحتجاج، الثورة، وسؤال بلوغ العتبة
في أدبيات علم الثورة، تتحول الاحتجاجات إلى ثورة أو حركة واسعة عندما يتجاوز المجتمع عتبة التحمل. غير أن تحديد هذه العتبة لا يرتبط فقط بمستوى الفقر أو القمع، بل يتطلب توافر ثلاثة عناصر في آن واحد وهي أيديولوجيا مشتركة وتنظيم (قيادة وشبكات) و إرادة جماعية للتضحية، في الحالة الإيرانية، لا تتوافر هذه العناصر الثلاثة بنيويًا.
أزمة الأيديولوجيا الجامعة
من الشروط الأساسية للثورة وجود تصور مشترك للمستقبل. إلا أن المجتمع الإيراني يفتقر إلى رؤية موحدة:
فبعضهم يطالب بعودة النظام الملكي.
وآخرون يفضلون الليبرالية.
وغيرهم يدعو إلى دولة قومية ذات سيادة.
بينما يرى قطاع واسع أن الإصلاح التدريجي هو الخيار الأفضل.
في علم النفس الاجتماعي، يؤدي هذا الوضع إلى صراع هويّاتي بين الجماعات، حيث لا يُنظر إلى الآخر كمنافس سياسي، بل كخائن. وفي بيئة كهذه، لا يمكن أن تتشكل وحدة ثورية حقيقية.
غياب القيادة الكاريزمية
وفق نظرية ماكس فيبر، تلعب القيادة الكاريزمية دورًا محوريًا في تعبئة الثورات. في إيران، لا توجد شخصية واحدة تحظى بقبول الغالبية. وكل شخصية تبرز تواجه سريعًا اغتيالًا معنويًا عبر الإعلام أو تشكيكًا تاريخيًا في نواياها.
ومن منظور علم النفس السياسي، فإن المجتمع الذي يختبر إخفاقات متتالية يصبح متشائمًا تجاه القادة، وغير مستعد لتسليم مصيره إلى فرد أو حركة.

تآكل رأس المال الاجتماعي والأخلاقي الجمعي
الاحتجاج الواسع يتطلب الثقة المتبادلة. لكن في مجتمع اعتاد فيه الأفراد على منافسة قاسية من أجل البقاء، تتقدم المصالح الفردية على المصالح العامة، ويُنظر إلى الآخر كتهديد.
في مثل هذا السياق، قد ينزل الناشطون إلى الشارع في الوقت ذاته، لكنهم لا يكونون متّحدين روحيًا، والنتيجة أن أحدًا لا يكون مستعدًا للتضحية من أجل الآخر.
إدارة المخاطر الاقتصادية وتعطيل الإضراب العام
تعلمت الدول الرأسمالية والحديثة احتواء الاحتجاجات ليس فقط بالقمع، بل عبر إدارة سبل العيش. في إيران، تُضبط الأجور عند مستوى لا يسمح بالادخار أو تحمّل المخاطر. بالنسبة للعمال والموظفين، يعني الإضراب تهديدًا مباشرًا للرزق، ما يجعل الاحتجاجات محصورة إلى حد كبير في الطبقة الوسطى الحضرية، دون أن تصل إلى شلل اقتصادي شامل للنظام.
الفضاء الإلكتروني كأداة تفريغ نفسي
على عكس الاعتقاد الشائع، لا تُعد وسائل التواصل الاجتماعي دائمًا أداة تعبئة. فمن الناحية النفسية، يمنح الإعجاب والمشاركة الشعور بالمساهمة والعدالة، دون دفع أي كلفة حقيقية أو مشاركة ميدانية. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـالنشاط الافتراضي البديل، تستهلك طاقة الغضب قبل انتقالها إلى الواقع.
ميزان العنف وواقع القوة الصلبة
تُظهر تجارب العقود الثلاثة الماضية أن أي حركة احتجاجية لا تنجح دون دعم إعلامي، أو عسكري، أو تدخل خارجي فعّال. والحقيقة أن المواطن الأعزل لا يستطيع وحده مواجهة دولة حديثة مسلحة. هذا الإدراك الجماعي يخلق عقلية محافظة حذرة داخل المجتمع.
الوعي بأساليب النضال الحديثة
الدول تتابع باستمرار تجارب الاحتجاج العالمية، وتتقن آليات تحييد العصيان المدني قبل وقوعه. في المقابل، غالبًا ما يدخل المحتجون ساحة المواجهة بأساليب مستهلكة فشلت سابقًا في دول أخرى. الثورة، في كثير من الأحيان، تنهزم نفسيًا قبل أن تُهزم في الشارع.
الهزيمة النفسية قبل السياسية
المجتمع الذي لا يزال يحمل تعاطفًا لا واعيًا مع السلطة، حتى في لحظات الغضب، يعيد إنتاج أشكال أخرى من الهيمنة. في إيران، المواطن الغاضب يظل أسير البنية الذهنية التي أنتجتها السلطة: فردانية مفرطة، خوف من الخسارة، انعدام ثقة متجذر، والسعي وراء مكاسب فورية بدل المشاركة في فعل طويل الأمد عالي الكلفة. ودون قطيعة على مستوى الرغبات والتصورات، لا يحدث أي تحول سياسي مستدام. فالاحتجاجات في إيران تعبّر عن غضب، لا عن مشروع ثوري موحد.
أيديولوجيا الجمهورية الإسلامية
الجمهورية الإسلامية ليست مجرد نظام سياسي، بل تمتلك هوية عقائدية شيعية خاصة، وشبكة من المؤمنين الأيديولوجيين المتشددين، وقوى مستعدة للتضحية بأرواحها دفاعًا عنها.
في نظريات الثورة، يشكل هذا النوع من الإيمان عائقًا خطيرًا أمام الانهيار، لأنه يرفع كلفة السقوط إلى مستوى صراع وجودي بالنسبة للموالين. في المقابل، لا تمتلك المعارضة استعدادًا فدائيًا مماثلًا.
وعليه لا تفشل الاحتجاجات في إيران بسبب غياب السخط، بل نتيجة اختلال عميق في التوازن بين العوامل البنيوية، والنفسية، والسياسية. ولن تتحول إلى تغيير جذري ما لم تتوافر الشروط التالية:
-
أيديولوجيا جامعة.
-
ثقة اجتماعية متبادلة.
-
قيادة موثوقة.
-
إعادة صياغة معادلة الكلفة والمنفعة لصالح المحتجين.
حتى ذلك الحين، ستبقى الاحتجاجات تعبيرًا عن الغضب، لا أداة للتغيير.



