الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
أوهام أردوغان الإمبراطورية القوة التركية أقل من طموحات الرئيس

بقلم: أصلي أيدينتاسباس
ترجمة: صفا مهدي
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
عندما دخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى البيت الأبيض في أواخر ايلول كان عليه أن يخرج من الزيارة بانتصار، فقد قدم أردوغان للجمهور التركي رؤية كبرى لقيادة تركيا في “الشرق الأوسط” لكن هذه الرؤية بدأت تتعرض للشكوك بشكل متزايد، فالخلافات الداخلية والمشكلات الاقتصادية استوجبت اهتمامه الدائم وكانت تهدد بطمس إرثه بعد 23 عامًا من الحكم، وكان نجاح القوات المعارضة المدعومة من تركيا في الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا في كانون الاول الماضي يبدو وكأنه فرصة ذهبية لتوسيع نفوذ تركيا لكنه أصبح واضحًا أن المهمة الضخمة لإعادة بناء سوريا تتجاوز قدرة تركيا على إنجازها بمفردها.
بدت مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كفرصة لتعزيز موقف أردوغان، ورغم الخلافات الأخيرة بين أنقرة وواشنطن بما في ذلك شراء تركيا لأنظمة صواريخ روسية وتكرار الانتهاكات في سوريا رأى ترامب في أردوغان شريكًا يمكنه المساهمة في استقرار “الشرق الأوسط”، فلتركيا نفوذ على حركة حماس مما يمكن أن يكون مفيدًا خلال مفاوضات وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة مع “إسرائيل”** كما يمكن لتركيا دعم جهود حفظ السلام وإعادة الإعمار في غزة وأوكرانيا، على عكس أسلافه بدا أن ترامب يُعجب بنموذج أردوغان غير الليبرالي ومهارته في الموازنة الجيوسياسية حيث كان يصفه مرارًا بـ”صديق وقائد قوي جدًا”، ومن جانبهم كان المسؤولون الأتراك يأملون أن تساعد الشراكة المعاد تنشيطها مع ترامب الذي يعتمد على الحسابات العملية في تعزيز مكانة تركيا في “الشرق الأوسط”.
في البداية بدا أن أمنياتهم تحققت فخلال أيام قليلة من زيارة أردوغان إلى واشنطن انضم رئيس المخابرات التركي إبراهيم كالن إلى محادثات في مصر حول وقف إطلاق النار في غزة- فتركيا لطالما دعمت القضية الفلسطينية لكن هذه كانت المرة الأولى التي تدخل فيها أنقرة رسميًا في مفاوضات السلام “الإسرائيلية”-الفلسطينية، وعندما تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 13 تشرين الاول وقف أردوغان إلى جانب ترامب وقادة مصر وقطر، بالنسبة لمؤيدي الرئيس التركي كانت مشاركته ذات دلالة رمزية كبيرة فقبل أكثر من 100 عام قاد الجنرال إدموند ألنبي الجيش البريطاني إلى القدس منهياً أربعة قرون من الحكم العثماني، لكن تركيا كانت الآن عائدة ففي السنوات الأخيرة كانت القوات التركية نشطة في العراق وليبيا وسوريا وعودة تركيا إلى مركز السياسة في الأراضي المقدسة كانت تمثل الاستعادة النهائية لدورها التاريخي في “الشرق الأوسط”.
أو هكذا أراد أردوغان أن يعتقد الأتراك في الحقيقة فإن قوة تركيا الحالية لا تتوافق مع طموحات أردوغان في إقامة نظام إقليمي تقوده تركيا، فاحتضان ترامب كان مفيدًا من الناحية الرمزية لكن السياسة الخارجية المتقلبة وغير المنظمة للرئيس الأمريكي من غير المرجح أن تعزز نفوذ تركيا في المنطقة أو تقنع باقي دول “الشرق الأوسط” بقبول ذلك، فالواقع أن تركيا تواجه الكثير من المشاكل الداخلية بما في ذلك اقتصاد متوتر ودولة مُفرغة من مؤسساتها إضافة إلى معارضة خارجية قوية خصوصًا من “إسرائيل” الواثقة والمتحكمة ما يجعل من الصعب عليها بناء نظام إقليمي وفق شروطها الخاصة، وإذا لم يتمكن أردوغان من الوفاء بوعده بإطلاق عصر جديد للقوة التركية فقد تتزايد الضغوط الداخلية عليه مع استمرار تركيا في الانجراف الاستراتيجي في عالم أصبح أكثر خطورة.

الاستراتيجية الكبرى لأردوغان
يرتكز المشروع الجيوسياسي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان على فكرة مركزية مفادها أن تركيا ليست مجرد قوة إقليمية متوسطة بل مقدر لها قيادة “الشرق الأوسط” الأوسع، وبعد أسبوع من سقوط نظام بشار الأسد أعلن أردوغان أن “تركيا أكبر من تركيا” وأن “رؤيتنا لا يمكن أن تقتصر على مساحة 782 ألف كيلومتر مربع”، مؤكدًا أن “تركيا لا يمكنها الهروب من قدرها، ومن لا يدرك هذا فلا يفهم دورها في ليبيا أو الصومال”.
ورغم أن في رؤية أردوغان جانبًا من الحقيقة الا أنها محاطة بقدر كبير من الأسطورة والتضخيم، فقد دفعت آلة الدعاية الحكومية الضخمة حملة «قرن تركيا» وروّجت لفكرة أن البلاد مهيأة للعظمة، وأُعيد تأهيل الإمبراطورية العثمانية التي كان النخبة السياسية في تركيا الحديثة ينظرون إليها كرمز للانحدار لتصبح نموذجًا للنظام والتعددية، وفي المسلسلات التلفزيونية والمؤتمرات شبه الأكاديمية وحتى قوائم الطعام في المطاعم التي تضم عناصر مثل «لذة السلطان» يُستعاد العصر العثماني كـ«عصر ذهبي» انتهى بفعل المؤامرات الأجنبية والخيانة الداخلية. ويتبنى الجهاز الأمني التركي الذي تمركز تحت رئاسة الجمهورية منذ التعديلات الدستورية في 2018 فكرة إقامة نظام إقليمي تقوده تركيا، فالعسكر الذين كانوا سابقًا رمزًا للضبط والاعتدال أصبحوا الآن يدعمون المواقف الدفاعية التوسعية لتركيا في العراق وليبيا وسوريا والبحر الأبيض المتوسط الشرقي، وتشير بيانات مجلس الأمن القومي التركي الأخيرة إلى الدور الاستراتيجي لتركيا ومسؤولياتها في هذه المناطق بالإضافة إلى استعدادها لدعم الأمن في غزة، وفي مناقشات خاصة يصف المسؤولون الأتراك بلادهم بأنها الضامن للاستقرار من القوقاز إلى المشرق مؤكدين على محاذاتها للأنظمة الصديقة.
تحت قيادة أردوغان وسعت تركيا بالفعل حضورها الإقليمي حيث امتدت بصمتها العسكرية عبر القوقاز والمشرق وأجزاء من أفريقيا مع عرض للقوة البحرية في البحر الأبيض المتوسط الشرقي والبحر الأسود، وخلال العقد الماضي أبرمت أنقرة شراكات دفاعية وأمنية مع أكثر من 15 دولة بما في ذلك ألبانيا والجزائر وأذربيجان والبوسنة وإثيوبيا وليبيا والنيجر وباكستان وقطر والصومال وسوريا وتونس، في ليبيا تسعى تركيا لإبرام صفقات اقتصادية وتقديم دعم أمني يشمل تدريب قوات الأمن والجيش كما دعمت تركيا في 2020 الهجوم العسكري لأذربيجان لاستعادة أراضٍ من أرمينيا ولعبت الشركات التركية دورًا رئيسيًا في إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية في المناطق المستولى عليها حديثًا، وتسعى تركيا الآن إلى تطبيع العلاقات مع أرمينيا وإنشاء اتفاق اقتصادي إقليمي يقلل من نفوذ إيران وروسيا في القوقاز ويوسع وصول تركيا المباشر إلى الأسواق.
ويشكل توسع صناعة الدفاع التركية عامل قوة إضافيًا لأنقرة إذ يمنحها نفوذًا مع حلفائها الأوروبيين ويفتح لها أبواب الأسواق في أفريقيا وآسيا، فبالإضافة إلى الطائرات المسيرة تنتج الشركات التركية الخاصة والعامة الذخائر والسفن الحربية والصواريخ والدبابات والمركبات المدرعة، ومن المتوقع أن يُضاف قريبًا أول طائرة قتالية تركية إلى هذه القائمة. ومع سعي تركيا لتعزيز نفوذها الإقليمي فهي لا تولي اهتمامًا كبيرًا بالأنظمة الداخلية لجيرانها بل تركز على ترتيب علاقات تخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية، وبهذا المعنى تبدو رؤية أردوغان اليوم أضيق نطاقًا من أجندات سابقة مثل مبدأ وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو “صفر مشاكل مع الجيران” الذي سعى للتوازن بين التحالفات الغربية التقليدية والتوسع شرقًا لتعزيز نفوذ تركيا في “الشرق الأوسط” وأفريقيا كنموذج للإصلاح الديمقراطي، ولكن سياسة داوود أوغلو انهارت خلال الربيع العربي جزئيًا لأن التحولات السياسية التي حاولت تركيا دفعها في مصر وسوريا واليمن لم تتحقق، واليوم ومع تحول تركيا إلى دولة أقل التزامًا بالديمقراطية أصبح اهتمامها يتركز على استخدام القوة الصلبة والصفقات العملية لتعزيز التضامن بين الأنظمة السنية غير الليبرالية بدلًا من محاولة تغيير الأنظمة السياسية لجيرانها.
سوريا مختبر الطموحات التركية
في الآونة الأخيرة أصبحت سوريا بمثابة المختبر للطموحات الإقليمية لتركيا فالبلاد تسيطر على مساحات واسعة من شمال سوريا وقد أنشأت فيها مدارس ومستشفيات ومحاكم في مناطق كانت خلال حكم الأسد تحت إدارة قوات المعارضة المدعومة من تركيا، كما أن هيئة تحرير الشام الجماعة التي أسقطت الأسد تحظى منذ وقت طويل بدعم تركي ومنذ سيطرة الهيئة وزعيمها أحمد الشرع على دمشق قدمت تركيا دعمًا أمنيًا وعسكريًا وإدارة للحدود ومساعدات إنسانية ومعدات زراعية وبذور بالإضافة إلى أعمال إصلاح عاجلة لشبكة الطاقة السورية، وبدأت الشركات التركية في تقديم عروض لمشاريع البناء والطاقة والطرق داخل سوريا كما نجحت أنقرة في الضغط على واشنطن والرياض والعواصم الأوروبية لرفع العقوبات المفروضة في عهد الأسد.
وظهور نظام صديق في سوريا فتح الطريق أمام أنقرة لإحياء عملية سلام متوقفة مع حزب العمال الكردستاني (PKK) الجماعة الانفصالية التي خاضت تمردًا طويل الأمد ضد الدولة التركية، فقد فتحت حكومة أردوغان في أواخر 2024 حوارًا مع زعيم الحزب المعتقل عبد الله أوجلان في خطوة تستهدف جذب أصوات الناخبين الأكراد في الانتخابات المحلية، وكان إسقاط الأسد في دمشق يجعل التسوية أكثر قابلية للتحقق. فطالما أن قوات سوريا الديمقراطية وهي تحالف للميليشيات الكردية السورية المرتبطة بالحزب تعمل بشكل مستقل في شمال شرق سوريا ولديها جيش كبير كانت أنقرة تعتبر ذلك تهديدًا أمنيًا محتملاً، لكن هذا التهديد تلاشى بعد رحيل الأسد ودخول قوات سوريا الديمقراطية في محادثات استكشافية مع كل من دمشق وأنقرة في عملية غالبًا ما يتوسط فيها السفير الأمريكي لدى تركيا توم براك لتحديد دور الأكراد في حكم سوريا بعد الأسد، ورغم استمرار الخلافات حول إدارة الموارد المائية وإيرادات النفط ونطاق الحكم الذاتي للمنطقة الخاضعة للسيطرة الكردية وشروط دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري إلا أن تكلفة فشل هذه المحادثات مرتفعة جدًا بحيث لا يمكن لأحد التخلي عن التفاوض.
وتخدم عملية السلام المعاد إحياؤها مع الأكراد غاية استراتيجية أكبر لأردوغان إذ تمنحه سببًا لتخفيف النزعة القومية المتشددة التي سيطرت على حكمه خلال العقد الماضي وإعادة تصور تركيا كقائد إقليمي محتمل، فكل من أردوغان وحليفه القومي المتطرف دولت باهتشيلي- الذي كان أول من دعا علنًا لاستئناف الحوار مع الحزب في تشرين الاول 2024- يصفون الآن تحالفًا تركيًا- كرديًا- عربيًا كأساس للاستقرار الإقليمي، كما يتيح لهم هذا التركيز استحضار ذكرى الإمبراطورية العثمانية متعددة الأعراق، فقد ..
كتب أردوغان مؤخرًا على منصة X: “التاريخ مليء بالأمثلة على النجاحات التي حققناها داخليًا وخارجيًا عندما كان الأتراك والأكراد والعرب موحدين ومتعاونين”.
ويأمل أردوغان اليوم في تقديم نموذج حكم متعدد الأعراق – إن لم يكن ليبراليًا- يحتضن التنوع المجتمعي تحت قيادة سنية قوية، ويعتقد الإسلاميون الأتراك أن هذا كان مفتاح نجاح واستمرارية الإمبراطورية العثمانية في حين كان قصور الجمهورية التركية العلمانية في هذا الجانب أحد نقاط ضعفها، وبذلك فإن أي تسوية في سوريا لن تمنح تركيا حدودًا جنوبية آمنة وتحد من طموحات الأكراد في الاستقلال فحسب بل ستشكل أيضًا إثباتًا عمليًا لإمكانية إقامة نظام إقليمي بقيادة تركية.
ومع ذلك إذا تعطلت المفاوضات مع الأكراد في تركيا أو سوريا فإن البناء الاستراتيجي برمته يصبح معرضًا للانهيار، فتصاعد الاضطرابات الكردية سيدفع تركيا إلى نشر قواتها الأمنية مما يستنزف الموارد اللازمة للدبلوماسية الإقليمية الأوسع، وعلاوة على ذلك فإن استمرار عدم الاستقرار في شمال سوريا سيقوض مزاعم أنقرة بأنها قادرة على فرض النظام حيث فشل الآخرون.
دولة جوفاء
ومع ذلك حتى إذا تمكنت كل من أنقرة ودمشق من التوصل إلى اتفاق مع الأكراد فإن حلم أردوغان في إرساء “القرن التركي الجديد” قائم على أسس هشة، بالنسبة للأتراك العاديين الذين يكافحون لتغطية نفقاتهم اليومية تبدو عظمة الإمبراطورية بعيدة عن الواقع اليومي فسنوات من السياسات النقدية غير التقليدية أسفرت عن تضخم مرتفع وعملة وطنية منهارة، وعادت بعض الثقة الاقتصادية مع عودة وزير المالية السابق محمد شيمشك إلى المنصب في 2023 لمساعدة الاقتصاد على الاستقرار إلا أن التضخم لا يزال مرتفعًا بشكل مزمن وثقة المستثمرين منخفضة، ونتيجة لذلك تفتقر تركيا ببساطة إلى القدرة الاقتصادية على تمويل إعادة إعمار سوريا أو أي مشروع إقليمي كبير آخر وقد اضطرت الحكومة السورية الجديدة بالفعل إلى اللجوء إلى قطر والسعودية لتغطية الاحتياجات العاجلة مثل الرواتب والمعاشات وهو تحول يعزز النفوذ الخليجي في دمشق على حساب تركيا.
وبعد عقدين من الحكم المركزي المفرط بدأت منظومة إدارة أردوغان تعاني من آثار نجاحها نفسه فقد قال لي أحد كبار المسؤولين “الدولة قائمة على أكتاف حوالي عشرة رجال أكفاء”، وتحت هذه الدائرة الصغيرة من التقنيين المتمكنين بدأت الوكالات الحكومية تتدهور بفعل عمليات التطهير والتعيينات القائمة على الولاء التي أفرغت المؤسسات من خبراتها، وتتجمع السلطة التنفيذية في قصر الرئاسة تاركة البيروقراطية التركية عاجزة عن تطوير سياساتها الخاصة أو تنفيذها فاستراتيجية فعلية للتأثير الإقليمي تتطلب وجود جهاز دولة قادر على إدارة الانخراط الاقتصادي المستدام والتنسيق الدبلوماسي وإدارة التحولات السياسية بصبر – في ليبيا وسوريا وأماكن أخرى – وليس مجرد عروض عسكرية مؤقتة، وفي الوقت الراهن تفتقر أنقرة ببساطة إلى الآليات المؤسسية التي تتوافق مع طموحاتها.
سياسيًا ضاق قاعدة دعم أردوغان حتى مع تشديد قبضته على السلطة فقد اجتاحت المعارضة انتخابات البلديات في 2024 حيث حصل حزب أردوغان على 35% فقط من الأصوات وهو أسوأ أداء له منذ توليه السلطة في 2003، وأثارت عملية اعتقال عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو في اذار 2025 بتهم فساد تليها اعتقالات أكثر من اثني عشر عمدة آخر من حزب المعارضة الرئيسي جدلًا واسعًا واعتُبرت على نطاق واسع ذات دوافع سياسية، كما كشفت هذه الخطوة عن شعور الحكومة بعدم الأمان فلم يعد أردوغان واثقًا من قدرته على الفوز في الانتخابات فتحولت السلطة القضائية إلى أداة لتمزيق خصومه السياسيين. وتقويض الدعم لحزب أردوغان يحد في نهاية المطاف من طموحاته الإقليمية، فقيادة حقيقية في “الشرق الأوسط” تتطلب استمرارية ويجب أن تكون وعود تركيا بالمساعدة الاقتصادية موثوقة والتزاماتها الدبلوماسية مستمرة، كما يجب أن يشارك النخبة الاقتصادية التي لا تزال تميل إلى الغرب وليبرالية التوجه في هذه الرؤية وهو أمر يبدو غير مرجح في ظل غموض التحالفات الجيوسياسية لمسار تركيا الداخلي غير الليبرالي، وبالنظر إلى التساؤلات حول من سيخلف أردوغان وإلى أي مدى ستستمر “المرحلة الذهبية” مع إدارة ترامب لا يمكن لأنقرة تقديم أي ضمانات ملموسة.

“إسرائيل” كعائق أمام الطموحات التركية
تتمثل أبرز التحديات الخارجية أمام رؤية أردوغان في تصاعد التنافس مع “إسرائيل”، ففي العام الماضي برزت “إسرائيل” كقوة إقليمية مهيمنة بعد صراعها مع إيران وحملاتها العسكرية في لبنان وقطر وسوريا، الهيمنة العسكرية الواضحة “لإسرائيل” وشبكة شراكاتها الأمنية المتنامية تجعل من الصعب على تركيا أن تقدم نموذجًا إقليميًا بقيادة تركية في بلاد الشام وخارجها، ويشعر كثير من الأتراك بالغضب من تصاعد النفوذ “الإسرائيلي” في المنطقة خاصة بعد الحرب الأخيرة في غزة حيث امتد الاستياء الشعبي إلى ما هو أبعد من قاعدة دعم أردوغان ما يدفع أنقرة إلى اتخاذ مواقف معارضة “لإسرائيل” حتى عندما تعقد مصالحها الدبلوماسية وعلاقاتها مع واشنطن، ومن جانبها تحرص “إسرائيل” على منع تركيا من تشكيل السياسة الإقليمية خاصة بالنظر إلى دعم أنقرة لحركة حماس وانتقادها للعمليات العسكرية “الإسرائيلية” كما يخشى بعض “الإسرائيليين” من أن يشكل محور سني بقيادة تركيا تهديدًا لمصالحهم.
التحدي الأكبر يكمن في سوريا، فمع رحيل الأسد تصر “إسرائيل” على منع أي قوة خارجية- وخاصة تركيا المعادية- من ترسيخ السيطرة على سوريا ومساعدة الحكومة الجديدة على بناء جهاز سياسي وعسكري قادر على تهديد حدودها الشمالية، وتصر “إسرائيل” على السيطرة على منطقة عازلة تزيد مساحتها عن 100 ميل مربع داخل سوريا في حين يرى أردوغان أن دمشق الموالية لتركيا تشكل حجر الزاوية في رؤيته الإقليمية، ومن الواضح أن هذين النهجين متناقضان تركيا ترغب في حكومة سورية قوية ومركزية قادرة على تأمين أراضيها وإرساء الاستقرار وكبح أي نشاط مسلح معادٍ في الشمال وربط سوريا بمحور أنقرة بينما تفضل “إسرائيل” أن تظل سوريا لا مركزية مع حكم ذاتي للطوائف الدرزية والكردية لتجنب أن تصبح قوة تنافسها. وقد وضعت هذه المشاريع المتنافسة القوات والوكالات التركية و”الإسرائيلية” على مسار تصادم محتمل، مع محاولات كل طرف تشكيل النظام السوري ما بعد الأسد لصالحه تتزايد تداخلات القوات والأنشطة الاستخباراتية ما يزيد من مخاطر المواجهة، وقد تجلت هذه التوترات بالفعل في نيسان عندما قصفت “إسرائيل” موقعًا مخصصًا لقاعدة تركية في تدمر، وبينما أنشأت أنقرة و”إسرائيل” خطًا ساخنًا لتجنب المواجهات المباشرة فإن هذا يظل مجرد إجراء محدود مع استمرار كل طرف في اختبار حدود نفوذ الآخر فيما تبقى الروابط الدبلوماسية والسياسية الأوسع مجمدة.
ويمتد التنافس إلى ما وراء سوريا أيضًا فقد خلقت الانتقادات التركية العلنية للحملة “الإسرائيلية” في غزة ودعم أنقرة للقضية الفلسطينية ودعمها للملاحقات القانونية الدولية ضد المسؤولين “الإسرائيليين” إلى جانب شراكات الاستخبارات “الإسرائيلية” المتنامية مع اليونان وقبرص فجوة أوسع بين الطرفين، وطالما أن تركيا و”إسرائيل” تخافان من طموحات بعضهما الإقليمية فمن المرجح أن يبقيا عالقين في معضلة أمنية حيث يُفسر كل طرف تحركات الآخر على أنها تهديد، ويرد بخطاب مبالغ فيه وإجراءات مضادة واسعة بما في ذلك عبر وكلاء في سوريا مما يعمق شعور عدم الأمان الذي يسعى كل طرف لتجنبه.

ترامب كمُيسر للطموحات التركية
ساهم ترامب في تعزيز رؤية أردوغان “للشرق الأوسط” من خلال منحه ما يريده الرئيس التركي الحضور البارز في الدبلوماسية الإقليمية والمكانة كشريك أمني للولايات المتحدة، وفي إشارة إلى الطموحات “النيوعثمانية” لأردوغان أشار السفير الأمريكي توم براك إلى نظام (المِلّة) العثماني الذي منح المجتمعات العرقية والدينية المتنوعة حكمًا ذاتيًا داخليًا، لكنه بقيت وفية للإمبراطور كنموذج محتمل للنظام الإقليمي الحديث.
بينما اعتبرت الإدارات الأمريكية السابقة سعي تركيا لإنشاء مناطق نفوذ في العراق وسوريا والبحر الأبيض المتوسط الشرقي تهديدًا للاستقرار الإقليمي ولمصالح واشنطن سمحت إدارة ترامب لتركيا بتوسيع نفوذها في سوريا ورحبت بانخراطها في الدبلوماسية الإقليمية، فهي تتفق مع أنقرة بشأن دعم السلطة المركزية في دمشق ومنع شبكات إيران العسكرية من سوريا ووقف الفيدرالية الكردية داخل البلاد وتسمح لتركيا بمواصلة هذه الأهداف، ما يتيح لواشنطن توجيه جهودها نحو مناطق أخرى وتحسين علاقاتها مع حليف رئيسي في الناتو.
ومع ذلك فإن دعم ترامب المتقلب لا يمنح تركيا ضمانات طويلة الأمد ولا يغير الحقائق الأساسية “إسرائيل” لا تزال تتمتع بالهيمنة العسكرية في سوريا وترامب خاضع بوضوح لرئيس الوزراء “الإسرائيلي” نتنياهو الذي يعارض أي دور أكبر لتركيا في سوريا أو غزة، كما تظل monarchies الخليجية حذرة من الطموحات التركية ويمكنها أن تعرقل مشروع أنقرة من خلال حجب الدعم المالي لسوريا أو توجيه أموال إعادة الإعمار بعيدًا عن الشركات التركية أو تقليص الاستثمارات الموعودة داخل تركيا، وفي الوقت نفسه فإن الاقتصاد التركي- الهش والمثقل بالديون- غير قادر على تمويل إعادة الإعمار في سوريا وغزة أو دعم المساعدات الاقتصادية والاستثمارات الدبلوماسية والحضور العسكري اللازم لتحقيق نفوذ إقليمي مستدام.
لا يزال حلم أردوغان في إقامة نظام تركي إقليمي Pax Turkica قائمًا لكنه هش على أرض الواقع، وإذا لم يتمكن من تحقيق هذه الرؤية الكبرى فقد يواجه دورة متكررة من التراجع الداخلي مع تصاعد الاستياء الشعبي وتراجع الشرعية ما يزيد الضغط على اقتصاد ضعيف أصلاً، وقد تتحول المبادرات الإقليمية التي تهدف لإظهار صعود تركيا إلى تذكير بالفجوة بين الطموح والقدرة، وقد يتمكن أردوغان من تجاوز هذه الأزمة بتوسيع تحالفاته السياسية الداخلية وإعادة بناء المؤسسات التركية وكسب دعم النخبة المهنية ورجال الأعمال لكن ذلك قد يعرض حكمه للنقد ويضعف قبضته على السلطة، فرغم أحلامه السلطانية العثمانية تظل تركيا الحديثة مقيدة بالمشكلات المحلية وعليها أن تعي أن وجودها كلاعب رئيسي في المنطقة وخاصة في سوريا لن يمكنها من استعادة الهيمنة المطلقة التي كانت تتمتع بها في الماضي.
* Asli Aydintasbas, Erdogan’s Imperial Illusions Turkish Power Does Not Match the President’s Ambitions, FOREIGN AFFAIRS, December 25, 2025.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.
أوهام أردوغان الإمبراطورية ترجمات حمورابي



