الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

عودة سياسات القوة النووية العظمى

بقلم: أندرو فوتر و بنيامين زالا

مراجعة: أ.م.د أوراد محمد مالك

جامعة بغداد / كلية العلوم السياسية

 

يمثل هذا المقال أحد الإسهامات المهمة في الأدبيات المعاصرة التي تحاول تفسير التحولات الجارية في البنية النووية للنظام الدولي ، إذ يتناول ” أندرو فوتر وبنيامين زالا ” موضوعاً بالغ الأهمية يتمثل في عودة  – السياسة النووية بين القوى الكبرى – إلى واجهة التفاعلات الدولية بعد عقدين من هيمنة الخطاب المتعلق بالإرهاب النووي ومنع الانتشار خلال مرحلة – الحرب على الإرهاب – وتكمن أهمية هذا العمل في كونه لا يكتفي بتسجيل هذا التحول، بل يسعى إلى تحليله ضمن إطار تطوري أشمل، مستحضراً ما يسميه الباحثان  ” العصر النووي الثالث ” ، الذي تتقاطع فيه التكنولوجيا المتقدمة، وتعددية الأقطاب النووية، وتراجع منظومات ضبط التسلح.

في بداية المقال، يعرض الباحثان الخلفية التاريخية التي أدّت إلى تغييب المخاوف التقليدية من الحرب النووية خلال التسعينيات وبداية الألفية، فقد انشغل الفكر الأمني الغربي بقضايا انتشار الأسلحة النووية، وتحديداً تهديد الإرهاب النووي بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، ما أدى إلى تراجع النقاش حول الردع بين القوى الكبرى وتفكك الاهتمام بقضايا التوازن الإستراتيجي ، ويؤكد الكاتبان أنّ هذا الانشغال لم يكن انعكاساً لزوال المخاطر الجوهرية، بل كان نوعاً من “الإلهاء الاستراتيجي”  الذي سمح للقوى العظمى الأخرى خصوصاً روسيا والصين بناء قدراتها وإعادة صياغة رؤاها للردع النووي بعيداً عن الاهتمام العالمي.

يقدّم المقال لاحقاً تحليلاً معمّقاً للعودة النووية الروسية من خلال الحرب في أوكرانيا، إذ أصبح الخطاب النووي جزءاً أصيلاً من سلوك روسيا الإستراتيجي، فالتهديد باستخدام السلاح النووي لم يعد مجرد ردع دفاعي، بل تحوّل أحياناً إلى أداة سياسية تهدف إلى شلّ إرادة الخصم وتقييد خياراته، ويربط المقال بين هذه “العودة الروسية” وبين تآكل منظومة ضبط التسلّح عقب انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ الباليستية، ومن ثم انهيار معاهدات أخرى كانت تشكل العمود الفقري للاستقرار الإستراتيجي في أوروبا، ومن ثمّ، تتحول أوروبا إلى ساحة تتقاطع فيها المظلة النووية الغربية ومحاولات روسيا إعادة فرض مكانة كبرى لنفسها عبر الأدوات النووية، سواء التقليدية أو المتطورة منها كالأسلحة فرط الصوتية.

ثم ينتقل المقال إلى شرق آسيا، إذ يوضح الكاتبان كيف أنّ الصراع في بحر الصين الجنوبي يحمل بعداً نووياً غير معلَن، يتمثل في سعي الصين إلى تأمين غواصاتها النووية التي تشكل صلب إستراتيجية الضربة الثانية، ويجادل المقال بأنّ التنافس الصيني – الأمريكي لم يعد يدور حول الموارد أو النفوذ البحري فحسب، بل حول قدرة الصين على الحفاظ على بقاء ترسانتها النووية في مواجهة قدرات أمريكية متقدمة في مجال الحرب المضادة للغواصات، وهذا ما يجعل الجزر الاصطناعية ومحطات الرصد والرادارات المتقدمة التي تبنيها الصين جزءاً من بنية الردع النووي لا مجرد توسع جغرافي، وبهذا تُكشَف طبقة جديدة من النزاع، تُظهر أن التفاعل بين القوى الكبرى بات يتسم بتداخل جغرافي – نووي معقّد يرفع من احتمالات سوء الحسابات.

ويضيف المقال بُعداً ثالثاً يتعلق بصعود الهند كقوة نووية ذات طبيعة مختلفة عن القوى التقليدية، فالهند – بخلاف روسيا والصين – ليست جزءاً من معاهدة عدم الانتشار وليست منضوية تحت مظلة نووية غربية أو شرقية، وهي تحاول تعزيز مكانتها الدولية من خلال تقديم نفسها كـ” قوة نووية مسؤولة “، مستندة إلى ترسانة نووية متنامية وإلى قدرات تكنولوجية متقدمة تمنحها استقلالية إستراتيجية واضحة، ويشير الباحثان إلى أنّ وجود هذه القوة الجديدة يزيد من تعقيد البيئة النووية الدولية ، لأن الهند تتعامل مع قضايا الردع على مستويين : مواجهة باكستان من جهة، وخلق توازن مع الصين من جهة أخرى، وهو ما يعكس تشابكاً ثلاثياً يزيد من مخاطر التصعيد في جنوب آسيا.

من حيث التحليل، يتميّز المقال بقدرته على دمج الأحداث الراهنة ضمن أطر نظرية أوسع، خصوصاً مفهوم ” العصر النووي الثالث “، الذي يرى أنّ التهديدات النووية لم تعد محصورة في التنافس الثنائي كما كان في الحرب الباردة، بل أصبحت جزءاً من بنية متعددة الأقطاب تتفاعل فيها القدرات النووية مع تقنيات جديدة مثل الصواريخ المطورة، والذكاء الاصطناعي، والهجمات السيبرانية، والأسلحة الدقيقة بعيدة المدى، وبهذا تتجاوز المخاطر النووية حدود التفكير التقليدي نحو سياقات أكثر تشابكاً، تفرض بدورها ضرورة إعادة صياغة نظريات الردع والأمن الإستراتيجي.

ومن وجهة نظري الشخصية، أجد أنّ المقال ينجح في تقديم رؤية شاملة تفسّر عودة السلاح النووي إلى مركز التفاعلات الدولية، لكنه يتجاوز مجرد الوصف التحليلي ليبيّن كيف فشلت مرحلة ” الحرب على الإرهاب ” في إدراك تراكمات القوى الكبرى، وأنّ انشغال النظام الدولي بمحاربة الفاعلين من غير الدول خلق فراغاً إستراتيجياً استغلّته القوى النووية الصاعدة لتعديل توازن القوى.

 

 يمكن القول أنّ المقال يقدّم قراءة دقيقة لخطورة المزج بين الأسلحة النووية والتقنيات غير النووية المتقدمة، وهي نقطة لطالما أهملها كثير من الأدبيات التي ما زالت أسيرة نماذج الردع الثنائية، ويبرز المقال كذلك أهمية إعادة الحوار الدولي حول ضبط التسلح، وهو أمر يشكل التحدي الأكبر في المرحلة القادمة، لأن غياب الأطر التفاوضية يزيد هشاشة البيئة النووية ويضاعف احتمالية سوء التقدير أو التصعيد العرضي.

 

أما على المستوى النقدي، فإن المقال ركّز بصورة أكبر على السلوك الغربي في مرحلة ما بعد 11 أيلول، وكان بالإمكان تعميق التحليل حول كيفية تفاعل القوى الكبرى – خصوصاً الصين والهند – مع الخطاب الدولي حول الإرهاب النووي خلال تلك الفترة، إذ لا تزال هذه المساحة تحتاج إلى المزيد من التفكيك، فضلاً عن ذلك، فإن مناقشة مستقبل النظام النووي العالمي جاءت عامة، وكان يمكن للكاتبين تقديم سيناريوهات أكثر تفصيلاً حول مسارات التفاعلات المستقبلية، خصوصاً في ظل غياب اتفاقيات ملزمة.

في الخلاصة، يمكن عَد هذا المقال إسهام نوعي في فهم التحولات العميقة التي يشهدها النظام النووي العالمي، فهو يسلط الضوء على عودة منطق القوة النووية كأداة سياسية مركزية في التفاعلات الدولية، ويكشف كيف تنتقل البشرية من  “عصر نووي ثانٍ ” تمحور حول الإرهاب والانتشار إلى “عصر نووي ثالث ” يتميز بتعقيد لامحدود في حسابات الردع وأستراتيجيات القوى الكبرى، ويقدم المقال، من وجهة نظري، مادة فكرية غنية للباحثين وصناع القرار لأنها ترسم خريطة دقيقة للمخاطر والفرص في البيئة النووية الراهنة، وتضع أسساً أولية لفهم مستقبل التوازنات الإستراتيجية في عالم يتجه نحو التوتر والتعددية والصراع المفتوح.

 

المصادر
  1. 1. Futter, Andrew. The Global Third Nuclear Age. Routledge, 2025.
  2. Sagan, Scott D., and Vipin Narang (eds.). The Fragile Balance of Terror. Cornell University Press, 2023.
  3. Cooper, David. Arms Control for the Third Nuclear Age. Georgetown University Press, 2022.
  4. Kristensen, Hans M., and Matt Korda. “Chinese Nuclear Forces.” Bulletin of the Atomic Scientists, Annual Reports, 2020–2024.
  5. Talmadge, Caitlin. “Emerging Technology and Intra-War Escalation Risks.” Journal of Strategic Studies, Vol. 42, No. 6, 2019.
  6. Lieber, Keir A., and Daryl G. Press. “The New Era of Counterforce: Technological Change and the Future of Deterrence.” International Security, Vol. 41, No. 4, 2017.
  7. Narang, Vipin. Nuclear Strategy in the Modern Era: Regional Powers and International Conflict. Princeton University Press, 2014.
* https://www.cambridge.org/core/services/aop-cambridge-core/content/view/CE7BE8FA9EDB268C5B1F43392C827935/S2057563724000440a.pdf/return_of_nuclear_great_power_politics_or_why_we_stopped_worrying_about_terrorists_and_the_bomb.pdf?utm_source=chatgpt.com

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى