الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
انحسار الثقة .. المواجهة السعودية الإماراتية في اليمن
الأسباب والتداعيات الجيوسياسية الاقليمية

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
في تطور دراماتيكي يعكس تصدع ما يعرف بتحالف دعم الشرعية في اليمن، قامت الطائرات السعودية بقصف شحنات اسلحة اماراتية وصلت إلى ميناء المكلا في محافظة حضرموت الاستراتيجية في اليمن، جاء هذا التحرك رداً على الهجوم الواسع الذي شنته قوات المجلس الانتقالي الجنوبي للسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة. يمثل هذا الصدام ذروة التناقض بين الرؤية السعودية الساعية لتأمين عمقها البري، والطموح الإماراتي للسيطرة على الممرات البحرية، مما وضع المنطقة أمام إعادة تعريف شاملة لموازين القوى.
اولاً: الأسباب الدافعة للمواجهة
تعود الأسباب الرئيسية للمواجهة السعودية الإماراتية الراهنة الى عام 2018 خلال حرب التحالف الخليجي في اليمن عندما انشقت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي عن قوات تحالف دعم الشرعية بدعم من الإمارات بحجة الاعتراض على فساد حكومة الهادي اليمنية، ودخلت في مواجهات عنيفة مع قوات الجيش اليمني المدعوم من السعودية في أول مواجهة بالوكالة بين السعودية والإمارات تعكس حالة تعارض المصالح بين البلدين في اليمن، ففي حين كانت السعودية تسعى لإزاحة الحوثيين من صنعاء واعادة الحكومة اليمنية لقيادة اليمن الموحد لضمان عدم تطويقها بواسطة دولة يمنية متحالفة مع ايران، كانت الإمارات تنحو باتجاه مغاير من خلال تركيزها للسيطرة على الشريط الساحلي اليمني ضمن استراتيجية شاملة تهدف للتحكم بالموانئ الاستراتيجية في نقاط الاختناق بالمنطقة، لذلك عملت الإمارات على دعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، ما حفظ لها منطقة نفوذ في جنوب اليمن على جزء من الشريط الساحلي الجنوبي لليمن.
بالتالي عند توقيع اتفاقات وقف إطلاق النار والسلام بين السعودية والحوثيين، في عامي 2022و2023، تحولت اليمن إلى دولة مقسمة بين مناطق نفوذ ثلاث قوى رئيسة مناطق الحكومة اليمنية المدعومة من التحالف السعودي لاسيما في العمق الصحراوي اليمني في حضرموت والمهرة وبعض المناطق بالقرب من العاصمة صنعاء، في حين سيطر الحوثيين على ثلاث محافظات رئيسة هي صنعاء وصعدة واجزاء من تعز بما فيها ميناء الحديدة الاستراتيجي الذي اصبح نقطة انطلاقهم نحو عملية إغلاق مضيق باب المندب، اما الإمارات من خلال وكلائها في المجلس الانتقالي الجنوبي فقد سيطرت على عدن وجزيرة سقطرى الاستراتيجية.

ان توزيعات القوى على الأرض استمرت على هذا الحال الى حين انتهاء الحرب على غزة التي كان للحوثيين فيها دورا مؤثرا في صناعة توازنات القوى ضمن الصراع الاقليمي، حيث كان لسيطرتهم على مضيق باب المندب واغلاقهم له تأثير كبير على المصالح “الإسرائيلية” والامريكية وكذلك هدد المشروع الإماراتي في السيطرة على الموانئ الاستراتيجية في البحر الأحمر التي لم يعد لها قيمة استراتيجية بإغلاق باب المندب ، لذلك تتحرك الامارات للسيطرة على موانئ اليمن على بحر العرب والتي تسيطر عليها قوات الشرعية اليمنية، الا ان التحرك الإماراتي الاخير يهدد المصالح القومية السعودية لاسيما ان السيطرة على صحراء حضرموت ومحافظة المهرة ومينائها تهدد بخنق السعودية جيوبولتيكياً، وهو ما دفع السعودية لشن غارات على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي وإصدار تحذيرات شديدة اللهجة ضد الإمارات نتيجة للخطوات التي قامت بها للسيطرة على حضرموت والمهرة وطالبات الإمارات الانسحاب منها.
لكن لماذا محافظة المهرة وحضرموت مهمة للسعودية؟
ان محافظتي حضرموت والمهرة من المحافظات اليمنية الحيوية وتشكل في الادراك الاستراتيجي السعودي مجالا حيويا للسعودية وعمقها الجيوسياسي، فمحافظة حضرموت هي اكبر محافظة يمنية تمتد على مسافات طويلة على الحدود السعودية، كما ان حضرموت ممتزجة اجتماعيا وثقافيا مع العمق السعودي حيث الكثير من العوائل الحضرمية لها عمق اقتصادي واجتماعي كبير في السعودية، بالإضافة إلى ذلك يدرك صانع القرار السعودي ان حضرموت توفر ميزتين للسعودية الاولى انها بمساحتها الكبيرة بوصفها أكبر محافظة يمنية بكثافة سكانية قليلة توفر للسعودية هامش للمناورة فيها لمواجهة التهديدات الإقليمية كما تسمح للسعودية بالوصول إلى بحر العرب لكونها محافظة تتوسط بين السعودية وسلطنة عمان وبحر العرب، اما محافظة المهرة فتمتلك ذات الميزة تقريباً بالنسبة للسعودية التي اطلقت مشروع انبوب النفط عبر موانئ المهرة بهدف التخلص من هيمنة إيران على مضيق هرمز.
إذ أن صانع القرار السعودي يدرك ان الاعتماد على منفذ واحد لتصدير النفط في الخليج العربي سيضع السعودية تحت الضغط الإيراني ويهدد الامن القومي السعودي في مجاله الاقتصادي الحيوي، لاسيما عند قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز، لذلك فأن الخروج الى موانئ حضرموت والمهرة يمثل محاولة سعودية للتخلص من التأثير الايراني المحتمل.
بالإضافة لذلك فأن السعودية تملك هواجسها الأمنية من عودة دولة جنوب اليمن، التي كانت تاريخيا معادية للسعودية، بفعل انها تشكلت بعد الحرب الأهلية اليمنية بين الشمال والجنوب حيث كانت السعودية تدعم الملكيين في الشمال بينما تدعم مصر الجمهوريين في الجنوب، بالتالي فأن عودة دولة اليمن الجنوبي في الظروف الدولية والإقليمية الراهنة لن يخدم المصالح الحيوية السعودية سيساهم في خنقها جيوسياسياً بقوس من القوى المناوئة للدور السعودي، مما يؤدي إلى تطويق السعودية وتحجيم دورها في القيادة الإقليمية، وهو ما لم تسمح به السعودية، لذلك سارعت الى شنت غارات جوية على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، ودعت في بيان شديد اللهجة الى انسحاب تلك القوات من حضرموت والمهرة، كما اعلن رشاد العليمي رئيس المجلس الرئاسي اليمني الذي يمثل الحكومة اليمنية المدعومة سعوديا حالة الطوارئ ودعا الى انسحاب فوري لقوات المجلس الانتقالي خلال 24 ساعة، وهو ما دفع الى استجابة اماراتية مرحلية باعلانها سحب قواتها وتأكيدها على وجود سوء فهم من قبل السعودية لدورها.
جيوسياسياً تمثل عملية السيطرة على سواحل محيطة بدولة ما محاولةً لتطويقها، وصانع القرار السعودي يدرك ان سيطرة الإمارات على سلسلة موانئ (سوقطرى، عدن، المكلا، المهرة) ستعني عمليا تشكيل قوس من النفوذ البحري الإماراتي يطوق السعودية ويحرمها من الوصول إلى بحر العرب.

اما الإمارات فهي تتبع منذ عام 2018 مشروعا ثالاسوقراطياً([1]) للسيطرة على الموانئ البحرية الاستراتيجية وقد ضمنت لها السيطرة على ميناء عدن الاستراتيجي الا ان سيطرة الحوثيين على ميناء الحديدة ادى الى تراجع أهمية ميناء عدن، لذلك تحاول الإمارات اليوم السيطرة على شريط ساحلي اكبر يؤمن لها اطلالة بحرية اكبر واسبق من تلك التي يسيطر عليها الحوثيين مما يمنحه سيطرة أكثر على طرق التجارة عبر باب المندب، كما ان التحرك الإماراتي الاخير تزامن مع الاعلان “الإسرائيلي” عن الاعتراف بـ(اقليم أرض الصومال الانفصالي) كدولة مستقلة وهو الاقليم الاستراتيجي الذي يطل على مضيق باب المندب عبر ميناء بربرة من الضفة الافريقية، مما يمنح “اسرائيل” وصولا سهلا عبر حلفاءها وسيطرة على ضفتي باب المندب، حيث أن استقلال أرض الصومال سيمنح إثيوبيا الحليفة “لإسرائيل” اطلالة بحرية تحتاج إليها، ويعقد الصراع في القرن الافريقي، مما يعني بناء مثلث تعاون إقليمي (اماراتي- “اسرائيلي”- اثيوبي) يمثل نقطة ارتكاز جيوسياسية تعزز النفوذ الإقليمي للدول الثلاثة وتسمح بمواجهة الحوثيين في باب المندب عبر السيطرة على ضفتيه العربية والافريقية.
بالإضافة إلى كل ماسبق فأن حضرموت تمثل ثلث مساحة اليمن تقريبا وتعد من المناطق الغنية بالنفط ما يضيف للصراع عليها بعداً اخر يتعلق برغبة اماراتية محتملة لتعظيم المكاسب الاقتصادية من خلال البحث عن مناطق الموارد ذات الموقع الاستراتيجي.
ثانياً: التداعيات الاقليمية على المواجهة الراهنة
لقد ادت التحركات الأخيرة الإماراتية و”الاسرائيلية” وحتى الإثيوبية الى ارتفاع حدة الهواجس الأمنية لدى دول المنطقة المختلفة حيث انها تحركات تمس بالمصالح القومية لدول إقليمية عديدة في شبكة معقدة من المصالح الاستراتيجية الإقليمية.
فمصر وتركيا لديها مصالح حيوية في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب وتنظر بعين الريبة للتحركات الإماراتية و”الاسرائيلية”، فتحكم “إسرائيل” بمضيق باب المندب سيفرض على مصر ضغطاً استراتيجيًا مضافا للضغط التي تتعرض له من إثيوبيا عبر سد النهضة ومن الاضطرابات في السودان التي تسببت بها قوات الدعم السريع المدعومة اماراتياً ما يعني ان الإمارات و”إسرائيل” واثيوبيا يعملون على زيادة الضغوط الاستراتيجية على مصر وتطويقها جغرافيا بقوس من الازمات ومناطق النفوذ الجيوسياسية وهو ما يهدد الامن القومي المصري بشكل مباشر بسلسلة من المخاطر الإقليمية سواء تلك المتعلقة بطرق التجارة والمرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس او تلك التي تتعلق بسد النهضة الاثيوبي وحصص مياه النيل او من الاضطرابات في السودان ومخاطر انتقال تداعيات الصراع إلى الاراضي المصرية بشكل تهديدات غير مباشرة .
اما تركيا التي تملك قواعد عسكرية في الصومال الجنوبي فأنها ستواجه وضعا أصعب في المنافسة على الموانئ البحرية من خلال دخول “إسرائيل” كمنافس محتمل الى جانب الأموال والاستثمارات الإماراتية في أرض الصومال ما يعقد المشهد في القرن الافريقي وينعكس بتداعيات على منطقة “الشرق الاوسط”.
من هذا المشهد المعقد يبقى دور أنصار الله الحوثيين محوريا لاسيما مع الصدام الحاصل بين خصومهم التقليديين والذي يجعلهم امام العالم القوة الاكثر تماسكاً وفرضاً للأمر الواقع، كما انهم هددوا باستهداف اي قواعد يتم انشاءها بارض الصومال ما يمثل استجابة سريعة للتحولات في توازن القوى التي تجري من حولهم، إذ يدرك الحوثيين ان التحركات “الإسرائيلية” والخليجية لاتستهدف دول المنطقة مثل السعودية ومصر بل تستهدف الدرجة الأولى الحد من تأثير الحوثيين على البحر الأحمر.
في الختام لقد ادت ردت الفعل السعودية الكبيرة على التحركات التي تقوم بها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم اماراتيا والبيانات التي اصدرتها وزارة الخارجية الى اضطراره قوات المجلس الانتقالي السماح لقوات درع الوطن المدعومة من السعودية بالعودة الى مناطق سيطرتها في حضرموت مع اعلان الإمارات سحب قواتها من اليمن في خطوة انسحاب تكتيكي الامتصاص الغضب السعودي، ويبدو ان الخطوة السعودية حققت الردع المطلوب مرحليا لكنها بالتأكيد لن تنهي المساعي الإماراتية لإكمال استراتيجية التحكم بموانئ المنطقة.
بالتالي فإن المواجهة في المكلا لم تكن مجرد اشتباك محدود، بل كانت لحظة كاشفة لعمق الشقاق في رؤى الحلفاء لمستقبل المنطقة. ورغم أن السعودية نجحت في وقف التمدد الميداني مؤقتاً، إلا أن بروز المثلث الإقليمي الجديد في القرن الأفريقي وباب المندب يشير إلى أن اليمن بات ساحة لاختبار توازنات قوى كبرى عابرة للحدود، مما يجعل استقرار اليمن رهيناً بتوافقات إقليمية تتجاوز الجغرافيا اليمنية لتشمل أمن البحر الأحمر والمحيط الهندي بالكامل.
([1]) الثالاسوقراطيا: السلطة البحرية



