الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
إعادة تشكيل القرن الأفريقي
كيف يفرض الاعتراف (الإسرائيلي) بأرض الصومال واقعاً جديداً من باب المندب إلى النيل؟

بقلم: الباحث محمد مكي الطاهر / السودان
يمثل السادس والعشرون من كانون الاول (2025) نقطة تحول جيوسياسي كبرى في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث أعلن رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو رسمياً اعتراف دولة (إسرائيل) بجمهورية أرض الصومال كدولة مستقلة وذات سيادة (1) هذا القرار، الذي تم تأطيره ضمن ما سُمي بـ “إعلان القدس”، هو تجسيد لاستراتيجية مدروسة لفرض الأمر الواقع، تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى في منطقة تمثل القلب النابض للتجارة العالمية (2). إن هذا الاعتراف ينهي ثلاثة عقود من العزلة الدولية لأرض الصومال منذ انفصالها الأحادي عن الصومال في عام 1991، ويضعها في قلب صراع المحاور الإقليمية والدولية (3) تتجاوز أبعاد هذا التحرك فكرة دعم “حق تقرير المصير” لتصل إلى عمق العقيدة الأمنية (الإسرائيلية) التي ترى في القرن الأفريقي “خاصرة رخوة” للعالم العربي ومجالاً حيوياً لتعزيز أمنها القومي بعيداً عن الحدود التقليدية(4) .
لا يمكن فهم الاعتراف (الإسرائيلي) بأرض الصومال بمعزل عن التاريخ الطويل للسياسة الخارجية (الإسرائيلية) في القارة الأفريقية. يمثل التحرك الحالي “النسخة المحدثة” من عقيدة “شد الأطراف” التي وضع أسسها ديفيد بن غوريون في الخمسينيات (5) قامت هذه العقيدة على فكرة كسر الطوق العربي من خلال بناء تحالفات مع القوى غير العربية في المحيط الإقليمي. اليوم، وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية، تعيد (إسرائيل) إحياء هذه العقيدة من خلال استهداف “الكيانات الوظيفية” التي تمتلك الجغرافيا وتفتقر إلى الشرعية. أرض الصومال هي “الشريك المثالي” في هذا السياق؛ فهي كيان مستقر نسبياً مقارنة بمقديشو، ويمتلك شريطاً ساحلياً استراتيجياً على خليج عدن، ولكنه “جائع” للاعتراف الدولي (6) .
تشير التحليلات إلى أن هذا الاعتراف هو نتاج مفاوضات سرية مكثفة قادها جهاز (الموساد)، ووضعت الأسس لصفقة “الجغرافيا مقابل الشرعية”، حيث تمنح أرض الصومال (إسرائيل) موطئ قدم عسكري واستخباراتي مقابل الاعتراف الدبلوماسي والدعم التكنولوجي والاقتصادي (7). تمثل منطقة باب المندب وخليج عدن أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم، حيث يمر عبرها ما يقرب من 10% من التجارة العالمية (8). تاريخياً، كان هذا الممر تحت سيادة جغرافية عربية وإسلامية، والاعتراف (الإسرائيلي) بأرض الصومال يكسر هذا الاحتكار الجيوسياسي. فمن خلال التواجد في ميناء بربرة أو مدينة زيلع الاستراتيجية، تكتسب (إسرائيل) القدرة على المراقبة والإنذار المبكر، وتأمين الملاحة (الإسرائيلية) التي تعرضت لهجمات متكررة، واستخدام أراضي أرض الصومال كقاعدة انطلاق لعمليات خاصة (9) .
إن اختيار (إسرائيل) لأرض الصومال في هذا التوقيت يكمن في تركيبة هذا الكيان كـ “دولة واقعية” تفتقر إلى الغطاء القانوني. لقد عانت أرض الصومال منذ عام 1991 من عزلة منعت عنها المساعدات الدولية والقروض الاستثمارية الكبرى، رغم استقرارها النسبي (10). (إسرائيل) قدمت “طوق النجاة” السياسي؛ ففي مقابل الاعتراف، وافقت أرض الصومال على الانضمام إلى “اتفاقيات ابراهام”، مما يحولها من كيان منبوذ أفريقياً إلى جزء من محور إقليمي تدعمه القوى الكبرى (11). تتضمن الاتفاقية الموقعة في 26 ديسمبر 2025 بنوداً للتعاون في مجالات الأمن والدفاع، والتكنولوجيا والزراعة، والصحة والبنية التحتية (12) .
ميناء بربرة هو “جوهرة التاج” في هذه العملية. الميناء الذي طورته شركة موانئ دبي العالمية يمتلك قدرات لوجستية هائلة، ويمثل (لإسرائيل) بديلاً استراتيجياً لقواعد أخرى في المنطقة، ويوفر مساحة أكبر للمناورة (13). كما أن الميناء يرتبط بـ “ممر بربرة” الذي يربط الساحل بإثيوبيا، مما يمنح (إسرائيل) نفوذاً غير مباشر على الاقتصاد الإثيوبي، وهو ما يمكن استخدامه كأداة ضغط في ملفات إقليمية أخرى، وعلى رأسها ملف سد النهضة (14) .
الاعتراف (الإسرائيلي) بأرض الصومال ليس حدثاً معزولاً، بل هو شرارة لإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة، وهو ما يثير قلقاً عميقاً في القاهرة والرياض. ترى مصر في الوجود (الإسرائيلي) في القرن الأفريقي تهديداً وجودياً يمس دوائر أمنها القومي المباشرة. التحليل المصري للخطوة يشير إلى مخاطر استراتيجية، منها تطويق قناة السويس، وشرعنة الانفصال في القارة، والتأثير على ملف مياه النيل (15). إن تعزيز المحور (أديس أبابا-هرجيسا-تل أبيب) يمنح (إسرائيل) أوراق ضغط في ملف سد النهضة، من خلال تقديم بدائل بحرية لإثيوبيا وتوفير حماية عسكرية وتقنية لها(16).

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، يأتي الاعتراف (الإسرائيلي) في وقت تسعى فيه الرياض لترسيخ أمن البحر الأحمر كمنطقة استقرار لمشاريعها الكبرى. التواجد (الإسرائيلي) في بربرة يخلق واقعاً أمنياً جديداً، حيث قد يؤدي دخول (إسرائيل) كلاعب مباشر إلى عسكرة البحر الأحمر واستقطاب دولي حاد (17). كما تبرز حساسية خاصة نظراً للاستثمارات الإماراتية الكبيرة في ميناء بربرة، مما يضع الرياض في موقف صعب بين الحفاظ على وحدة الصومال والتنسيق الأمني مع حلفاء “اتفاقيات إبراهيم” (18).
تعتبر الحكومة الفيدرالية في مقديشو الاعتراف (الإسرائيلي) “عدواناً صارخاً” على سيادتها، لكن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذا الاعتراف يسرع من وتيرة تفكك الدولة الصومالية من الداخل. في تطور دراماتيكي سبقت الاعتراف (الإسرائيلي) بشهرين، وقعت أرض الصومال وولاية بونتلاند “اتفاق نيروبي” في 5 تشرين الاول 2025. هذا الاتفاق يمثل زلزالاً داخلياً، حيث وافقت بونتلاند على التعاون الأمني والتجاري المباشر مع أرض الصومال، بل والاعتراف بـ “حقها في تقرير المصير”. يهدف الاتفاق إلى تهميش مقديشو وخلق “كتلة شمالية” تدير شؤونها بمعزل عن الحكومة المركزية. بهذا، تتجه الصومال نحو نموذج جديد، حيث توجد حكومة مركزية ضعيفة في مقديشو بينما تسيطر قوى وأقاليم مدعومة خارجياً على الجغرافيا والموارد. الاعتراف (الإسرائيلي) يمنح هذا النموذج “الختم الدولي” الأول، مما يشجع ولايات أخرى مثل جوبالاند على اتباع نفس المسار، خاصة بعد تشكيل “مجلس مستقبل الصومال” في نيروبي كمنصة معارضة لمقديشو(19) .
يمثل القرن الأفريقي ساحة صراع كبرى بين المشروعين التركي و(الإسرائيلي). تركيا، التي استثمرت بكثافة في الصومال، تمتلك أكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج في مقديشو وتتولى تدريب الجيش الصومالي [20]. وقد أدانت أنقرة الاعتراف (الإسرائيلي) ووصفته بأنه “تدخل سافر” و”خطوة غير قانونية”. وتشمل التحركات التركية رداً على هذا الاختراق تعزيز الوجود العسكري في مقديشو، والإعلان عن بدء عمليات تنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل الصومالية. في المقابل، يتشكل محور “براغماتي” يضم (إسرائيل) وأرض الصومال وإثيوبيا، يسعى لتقديم نفسه كبديل (21).
الاعتراف (الإسرائيلي) ليس مجرد خرق للسيادة الصومالية، بل هو ضربة في مقتل لمبدأ “قدسية الحدود” الذي يقوم عليه الاتحاد الأفريقي. منذ تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، كان هناك اتفاق غير مكتوب بأن تغيير الحدود الموروثة عن الاستعمار سيؤدي إلى تمزيق القارة (22). الاعتراف بأرض الصومال بناءً على استقرارها الواقعي يرسل رسالة إلى كل الجماعات العرقية والانفصالية في القارة بأن “الانفصال ممكن إذا وجدت حليفاً قوياً” (23). المخاطر المترتبة على ذلك تشمل تشجيع الحركات الانفصالية، وإضعاف الاتحاد الأفريقي، وسباق التسلح الإقليمي. تجد القوى الكبرى نفسها في موقف منقسم. فبينما تدعم الولايات المتحدة رسمياً “وحدة الصومال”، ترى تيارات قوية أن الاعتراف بأرض الصومال هو “تحوط” ضروري ضد النفوذ الصيني المتزايد. أما الصين، فترى في الاعتراف (الإسرائيلي) تهديداً لمشاريعها في “طريق الحرير” البحري، وتخشى من أن يؤدي عدم الاستقرار في القرن الأفريقي إلى تعطيل تدفقات التجارة نحو مينائها في جيبوتي (24) .
إن الاستراتيجية (الإسرائيلية) في القرن الأفريقي تفتح الباب أمام عدة سيناريوهات لمستقبل المنطقة. السيناريو الأول هو “الحرب بالوكالة” بين محور تقوده (إسرائيل) ومحور مضاد تقوده تركيا ومصر. السيناريو الثاني هو “الصومال الفاشل المستدام“، حيث يبقى الصومال في حالة من الشلل السياسي الدائم الذي يخدم استراتيجية “الفوضى المُدارة”. أما السيناريو الثالث، فهو الانهيار الشامل ونمو التطرف، حيث قد يؤدي الاعتراف (الإسرائيلي) إلى رد فعل عكسي عنيف يمنح حركة الشباب “شرعية ثورية” جديدة، مما يحول “واحة الاستقرار” إلى ساحة قتال جديدة (25) .
نحن لا نشهد مجرد أزمة دبلوماسية ناتجة عن اعتراف دولة بأخرى، بل نحن أمام إعادة هيكلة شاملة للمنطقة تهدف إلى حفر وجود (إسرائيلي) دائم في الخاصرة الرخوة للعالم العربي. إن “إعلان القدس” في ديسمبر 2025 هو الفصل الأكثر خطورة في صراع طويل على الممرات المائية والسيادة. إن نجاح مشروع فرض الأمر الواقع هذا يعني القبول الطوعي بتطويق استراتيجي جديد لمصر والسعودية، والتنازل عن مفاتيح أمن البحر الأحمر لصالح قوى خارجية. التاريخ لن يرحم المتفرجين؛ فالعاصفة التي بدأت في بربرة لن تتوقف عند حدود الصومال، بل ستمتد آثارها من مضيق باب المندب إلى منابع النيل، معيدة تعريف قواعد اللعبة للأجيال القادمة. إن الصراع في جوهره هو صراع على “جغرافية المستقبل”، وفي هذه المعركة، من لا يملك القدرة على حماية حدوده الاستراتيجية، سيجد نفسه مضطراً للعيش في ظل خرائط يرسمها الآخرون.
المصادر
-
سكاي نيوز عربية – “كواليس اعتراف إسرائيل بأرض الصومال“
-
Politics & Society – “Israel’s Recognition of Somaliland: A Geopolitical Shift”
-
Huliaras, A. (2002). The viability of Somaliland: Internal constraints and regional geopolitics. Journal of Contemporary African Studies.
-
مركز مدار – “إسرائيل وأفريقيا مسارات العلاقة، واستراتيجية المواجهة“
-
National Interest – “From the Alliance of the Periphery to a Solidifying the Arab-Israeli Core”
-
Jerusalem Post – “Somaliland has a lot to offer the US”
-
Al-Akhbar – “الإمارات وإسرائيل في «صوماليلاند»: معركة واحدة“
-
European Council on Foreign Relations – “Anatomy of a chokepoint: Mapping power and conflict in the Red Sea”
-
Arab Progress – “Israeli Recognition of Somaliland and Its Implications for Red Sea Security”
-
Idle, A. F. (2024). The Role of Somaliland in the Horn of Africa’s Geopolitical Landscape. International Research Journal of Management and Social Sciences.
-
AJC – “Five Years On, the Abraham Accords Are the Middle East’s Best Hope”
-
BBC News – “Why Israel’s recognition of Somaliland as an independent…”
-
DP World – “DP World launches new Jebel Ali – Berbera Shipping Route”
-
Cannon, B. J., & Rossiter, A. (2017). Ethiopia, Berbera port and the shifting balance of power in the Horn of Africa. Rising Powers Quarterly.
-
The National News – “No more dams on Nile without our approval, Egypt warns…”
-
Carnegie Endowment – “The Nile Dispute: Beyond Water Security”
-
Modern Diplomacy – “The Geopolitics of the Red Sea Crisis: Implications for Global Trade and Security”
-
Gurjar, S. (2023). The port of Berbera and geopolitics of the Western Indian Ocean. International Studies.
-
الجزيرة – “ما وراء اعتراف إسرائيل بـ“إقليم أرض الصومال“”
-
Anadolu Agency – “Turkey’s military base in Somalia”
-
Horn Review – “Israel Recognized Somaliland: What Could Ethiopia’s Next Move Be?”
-
African Union – “African Union Border Programme (AUBP)”
-
Pan African Visions – “African Union, Somaliland, and Frozen Borders”
-
The Conversation – “Global power shifts are playing out in the Red Sea region”
-
Council on Foreign Relations – “Al-Shabaab”



