الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
قراءة جيوسياسية وإقليمية لمخاطر عام 2026

بقلم: الباحث بختيار أحمد صالح
يدخل العالم عام 2026 في ظل بيئة دولية معقّدة تتسم بتراكب الأزمات، حيث تتقاطع التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية. لا تمثل هذه المخاطر قطيعة تامة مع عام 2025، بل هي في جزء كبير منها امتداد له، مع بروز عناصر جديدة ناتجة عن تحولات بنيوية وتغيرات غير متوقعة في موازين القوة. تهدف هذه الورقة إلى تحليل أبرز المخاطر المتوقعة في عام 2026، مع التركيز على الولايات المتحدة، أوروبا، الصين، “الشرق الأوسط”، العراق، وإقليم كردستان، ضمن إطار تحليلي استشرافي يستند إلى مقاربات نظرية متعددة.
الإطار النظري والمنهجي
أولًا: مفهوم تعدد الأزمات
يشير مفهوم تعدد الأزمات إلى حالة تتفاعل فيها أزمات متعددة- اقتصادية، سياسية، أمنية، طاقوية، ومجتمعية- بشكل غير خطي، بحيث يؤدي تفاقم إحداها إلى تسريع أو تعميق الأخرى. في هذا السياق، لا يمكن فهم المخاطر العالمية لعام 2026 من خلال تحليل أزمة منفردة، بل عبر دراسة شبكة التفاعلات بين الأزمات. تنطبق هذه المقاربة على حالات مثل تداخل تباطؤ الاقتصاد الصيني مع أسواق الطاقة العالمية، أو ارتباط الأزمات الداخلية في الولايات المتحدة بسلوكها الخارجي. تُستخدم هذه المقاربة في هذه الورقة لتفسير هشاشة الدول الريعية مثل العراق، حيث يؤدي انخفاض أسعار النفط، بالتوازي مع أزمة الحوكمة والانقسام السياسي، إلى مضاعفة احتمالات عدم الاستقرار.

ثانيًا: الواقعية الهجومية
تعتمد الواقعية الهجومية، كما طورها جون ميرشايمر، على افتراض أن النظام الدولي فوضوي بطبيعته، وأن القوى الكبرى تسعى باستمرار إلى تعظيم قوتها لضمان بقائها. وفق هذا المنظور، فإن سلوك الولايات المتحدة، الصين، وروسيا في عام 2026 يمكن فهمه كجزء من صراع طويل الأمد على النفوذ ومناطق التأثير.
تساعد هذه المقاربة في تفسير:
تصاعد التنافس الأمريكي- الصيني، رغم محاولات الاحتواء الاقتصادي.
السلوك “الإسرائيلي” الاستباقي تجاه إيران وسوريا.
سعي أوروبا إلى بناء قدرات عسكرية مستقلة نسبيًا.
كما تفسر الواقعية الهجومية محدودية فعالية المؤسسات الدولية في كبح التصعيد، خاصة في بيئات تتراجع فيها الثقة المتبادلة.
ثالثًا: مقاربة مخاطر الجيوبوليتيك
تركز مقاربة مخاطر الجيوبوليتيك على تحليل كيفية تأثير الأحداث السياسية والصراعات الدولية على الاستقرار الاقتصادي والاستثماري. تشمل هذه المخاطر احتمالات الحرب، العقوبات، الاضطرابات الداخلية، وتغير السياسات الكبرى. في عام 2026، تُعد منطقة “الشرق الأوسط” مثالًا نموذجيًا لبيئة عالية المخاطر الجيوبوليتيكية، بسبب احتمالات التصعيد بين الجمهورية الاسلامية في إيران و”إسرائيل”، وعدم استقرار سوريا والعراق.
تُستخدم هذه المقاربة في الورقة لربط التحليل السياسي بالآثار الاقتصادية، مثل تأثير الحرب المحتملة أو انخفاض الطلب الصيني على النفط في الموازنات العامة للدول المنتجة، ولا سيما العراق وإقليم كوردستان.
الولايات المتحدة والنظام الدولي
-
الاضطراب الداخلي وتأثيره الخارجي: تشكل التطورات السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة أحد أهم محددات الاستقرار العالمي. إذ يُتوقع أن يكون لنتائج الانتخابات النصفية (Midterms) دور حاسم في إعادة تشكيل التوازنات داخل الكونغرس، وما إذا كان الحزب الديمقراطي سيتمكن من السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ. أي تحول من هذا النوع ستكون له انعكاسات مباشرة على السياسة الخارجية الأمريكية. في الوقت ذاته، يواجه الاقتصاد الأمريكي تحديات بنيوية، رغم الطفرة الظاهرية المرتبطة بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي. هذه الطفرة تخفي وراءها تذمرًا اجتماعيًا متزايدًا نتيجة التفاوت الطبقي وعدم شعور شرائح واسعة من المجتمع بتحسن فعلي في أوضاعها المعيشية. ضعف الاقتصاد أو انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي المحتملة قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى سلوك أكثر عدوانية خارجيًا، خاصة في مناطق الهشاشة مثل أمريكا اللاتينية.
-
الانعكاسات على “الشرق الأوسط”: تسعى إدارة ترامب- في حال استمرارها أو عودتها- إلى إنهاء النزاعات في “الشرق الأوسط” بمنطق الربح الاقتصادي وتقليل الأكلاف. إلا أن ضعفها الداخلي المحتمل، وبدء الاستعداد المبكر للانتخابات الرئاسية القادمة، قد يحدّ من قدرتها على فرض تسويات حقيقية، ما يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي غير مضبوط.

أوروبا بين الضغط وإعادة التموقع
تواجه أوروبا في عام 2026 ضغوطًا متزايدة على المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية. ثمة جدل داخلي حول ما إذا كانت القارة تتجه نحو الانحدار أم نحو إعادة تعريف دورها العالمي. المؤكد أن أوروبا مضطرة إلى تعزيز قدراتها العسكرية، سواء على مستوى الدول أو الاتحاد الأوروبي، وهو ما سينعكس على أولوياتها الجيوسياسية. في حال توقف الحرب الروسية- الأوكرانية، قد يشهد الوضع الأوروبي قدرًا من الاستقرار الجيوسياسي والطاقوي. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تقليص البيروقراطية، وتحفيز الابتكار، ومنع الانزلاق نحو القوميات المتطرفة أو النزعات الفاشية التي تغذيها الأزمات الاقتصادية والهجرة. إن زيادة اهتمام أوروبا بمحيطها المباشر، بما في ذلك “الشرق الأوسط”، تعني أن العراق وإقليم كردستان سيكونان ضمن دائرة الاهتمام الأوروبي، سواء من زاوية الطاقة أو الأمن أو الهجرة.
الصين والتحول الهادئ نحو الانكماش
-
تباطؤ اقتصادي وتداعيات طاقوية
يتجه الاقتصاد الصيني نحو معدلات نمو أقل، ما سيؤدي إلى تراجع الطلب على الطاقة. تشير التقديرات إلى احتمال وصول الطلب الصيني على النفط إلى مرحلة الثبات (Plateau)، مع اتجاهه نحو الانخفاض بعد عام 2027. هذا التحول ستكون له آثار مباشرة على الدول الريعية، وفي مقدمتها العراق.
-
التشدد الداخلي والتمدد الخارجي
داخليًا، تميل الصين إلى مزيد من السيطرة والقمع، مع تصاعد النزعة القومية في ظل التحديات الاقتصادية والديمغرافية. خارجيًا، تدفعها القيود الجمركية الغربية إلى تعزيز انخراطها في دول الجنوب العالمي، بما فيها “الشرق الأوسط”. من المتوقع أن تزيد بكين من نشاطها في سوريا، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا، ضمن استراتيجية تأمين الأسواق والممرات.
“الشرق الأوسط”– خطر الحرب الكبرى
يشكل احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين الجمهورية الإسلامية في إيران و”إسرائيل” الخطر الأكبر في المنطقة خلال عام 2026. مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى إعادة تشكيل شاملة “للشرق الأوسط”. في حال تعرضت إيران لضربة قاسية، قد تسعى “إسرائيل” إلى توسيع تدخلها في سوريا لمنع تعاظم نفوذ قوى معادية، وللحد من النفوذ التركي المتصاعد. في هذا السياق، يواجه الكورد خيارات استراتيجية صعبة. قد يحدث تقاطع بين الأجندة الكوردية و”الإسرائيلية” فيما يتعلق بمنع مركزية الدولة السورية، إلا أن هذا التقاطع يظل ظرفيًا ومشحونًا بالمخاطر. سوريا، في ظل هذه المعادلات، تبدو غير قادرة على التحول إلى دولة مركزية مستقرة، خاصة في ظل استمرار الشكوك لدى الأقليات (الدروز، العلويين، المسيحيين، والكرد) تجاه أي مشروع ذي صبغة إسلامية متشددة.

العراق– هشاشة سياسية واقتصادية
-
الأزمة السياسية
تشكل عملية اختيار رئيس الوزراء في العراق نقطة هشاشة أساسية. نجاحها أو فشلها يرتبط بدرجة كبيرة بوضع إيران الإقليمي. أي تطور في الساحة الايرانية سينعكس مباشرة على الوضع السياسي العراقي، ويؤثر على التوازنات القائمة.
-
الأزمة الاقتصادية
من الناحية الاقتصادية، تبدو الأزمة المالية في العراق مسألة وقت، مرتبطة بانخفاض أسعار النفط. في حال تراجع الأسعار إلى حدود الخمسين دولارًا للبرميل، سيواجه العراق صعوبة حقيقية في تغطية نفقاته التشغيلية، ما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وأمنية. العلاقة بين الدولة والمجتمع في العراق قائمة إلى حد كبير على الريع المالي. ومع تراجع الموارد، ترتفع احتمالات العنف والاحتجاج، في ظل غياب عقد اجتماعي متماسك.
إقليم كردستان – تعمق الأزمة المركبة
يُتوقع أن يتوصل الحزبان الرئيسيان (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) إلى تفاهمات مرحلية تخدم مصالحهما، دون معالجة جذرية للخلافات البنيوية. كلا الطرفين يحتاج إلى مستوى معين من التوتر للحفاظ على توازناته الداخلية. على المستوى المجتمعي، يشهد الإقليم تفككًا متزايدًا، مع تصاعد احتمالات العنف، نتيجة تعمق حالة الأزمة المركبة . تعتمد معظم القوى السياسية على استراتيجيات التفتيت لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد، ما يخلّف آثارًا خطيرة على السلم الأهلي. يُضاف إلى ذلك أن الطابع الحضري للمجتمع الكوردي (حيث يعيش نحو 80% من السكان في المدن) يقلل من قدرته على الصمود أمام الأزمات الممتدة. في المقابل، تتعزز قوة الأحزاب على حساب المؤسسات الحكومية، ما يؤدي إلى مزيد من إضعاف الدولة وتعميق السيطرة الحزبية. تظل أوضاع كوردستان شديدة الارتباط بعوامل خارجية، مثل أسعار النفط، احتمالات الحرب الإيرانية-“الإسرائيلية”، مستقبل سوريا، والسياسة الأمريكية في المنطقة.
الخاتمة
يمثل عام 2026 مرحلة مفصلية في مسار النظام الدولي والإقليمي، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع التحولات الجيوسياسية والصراعات المفتوحة. بالنسبة للعراق وإقليم كوردستان، فإن المخاطر لا تنبع فقط من العوامل الخارجية، بل من هشاشة الداخل وغياب الإصلاحات البنيوية. إن مواجهة هذه التحديات تتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي، وتعزيز المؤسسات، وتبني سياسات استباقية تقلل من آثار الصدمات المقبلة، بدل الاكتفاء بإدارتها بعد وقوعها.



