الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

فيتنام ومساعي التحرر من ثنائية التنافس الأميركي الصيني

هانوي تتجه بهدوء نحو تنويع شراكاتها الاستراتيجية خارج نطاق المحيطين الهندي والهادئ

بقلم: ديريك غروسمان

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية/ جامعة جنوب كاليفورنيا

ترجمة: صفا مهدي

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

في خضم التصاعد المستمر لخطاب الحرب والصراع يسهل إغفال التحولات الجيوسياسية الأكثر دقة وهدوءً، غير أن أحد هذه التحولات برز في شهر تشرين الثاني عندما رفعت فيتنام مستوى شراكاتها مع كلٍّ من الجزائر والكويت وجنوب أفريقيا عقب زيارات أجراها رئيس الوزراء الفيتنامي فام مينه تشينه إلى هذه الدول الثلاث، وقد يبدو هذا التطور للوهلة الأولى حدثًا عابرًا لا يحمل دلالات تُذكر لا سيما أن هانوي دأبت خلال السنوات الماضية على تطوير شراكاتها مع عدد كبير من الدول حول العالم.

إلا أن الخطوات الفيتنامية الأخيرة تختلف في جوهرها نظرًا إلى السياق الجيوسياسي الراهن وإلى التحولات الجارية في أولويات السياسة الخارجية لهانوي، فمن جهة تسعى فيتنام إلى تقليص اعتمادها المفرط على التعاون الاقتصادي والأمني مع كلٍّ من الصين والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى يستعد الحزب الشيوعي الفيتنامي لعقد مؤتمره الوطني الخماسي الشهر المقبل وهو المؤتمر الذي سيحسم ملامح محتملة للتغيير في القيادة الوطنية ويقر الخطط العامة لإدارة شؤون الدولة خلال السنوات الخمس المقبلة. وفيما يخص السياسة الخارجية اعتمد الحزب شعارًا جديدًا هو “محوري ومستمر” في توصيفه للدور الحاسم للدبلوماسية في تعزيز مصالح فيتنام بوصفها قوة متوسطة صاعدة، وبعبارة أخرى بات الأمن القومي الفيتنامي يعتمد- وربما على نحو وجودي- على فاعلية الدبلوماسية ولا سيما في ظل احتدام التنافس الأميركي- الصيني، بما يحمله من مخاطر زعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الوطنية لهانوي.

ومن هذا المنظور يكتسب توجه فيتنام نحو إقامة شراكات استراتيجية مع دول بعيدة جغرافيًا أهمية خاصة، فهذه هي المرة الأولى التي تحظى فيها دول أفريقية وشرق أوسطية بهذا المستوى من الانخراط الاستراتيجي في إطار مساعي هانوي لعقد اتفاقات تجارية وتعاونات جديدة، وعلى نطاق أوسع يندرج هذا السلوك ضمن نمط متزايد من تنويع العلاقات الخارجية الفيتنامية خلال السنوات الأخيرة ليس فقط خارج جنوب شرق آسيا، بل أيضًا خارج إطار منطقة المحيطين الهندي والهادئ في ضوء القلق العميق إزاء قدرة البلاد على تحمّل تداعيات التنافس بين القوى الكبرى.

كما سبق أن أشرتُ في مقال سابق في مجلة فورين بوليسي انضمت فيتنام في شهر حزيران إلى مجموعة بريكس بصفتها دولة شريكة بهدف استكشاف قنوات اقتصادية بديلة، وقد شكّل هذا القرار خطوة غير مسبوقة إذ لطالما امتنعت هانوي عن الانخراط في أطر متعددة الأطراف خارج رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) تفاديًا للظهور بمظهر المنحاز إلى قوى خارجية، وإلى جانب ذلك وسّعت فيتنام خلال الأعوام الأربعة الماضية قائمة “الشراكات الاستراتيجية الشاملة”- وهي أعلى مستوى في هرم سياستها الخارجية- لتشمل 14 دولة. ففي الفترة الممتدة بين عامي 2008 و2016 لم تكن هانوي تحتفظ سوى بثلاث شراكات من هذا النوع مع الصين والهند وروسيا، غير أنه ابتداءً من عام 2022، فتحت فيتنام الباب على مصراعيه ووقّعت 11 شراكة استراتيجية شاملة إضافية من بينها مع الولايات المتحدة وقوى كبرى أخرى مثل أستراليا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وأخيرًا المملكة المتحدة، ويعكس هذا التوسع بوضوح سعي هانوي إلى إيجاد مساحات تعاون جديدة تخفف من اعتمادها المفرط على بكين.

وعلى الرغم من أن فيتنام تنتهج استراتيجية تنويع عالمية بهدف الإفلات من فخ الصراع الأميركي- الصيني فإنها في الوقت نفسه تتبع سياسة “التحوّط” في تعاملها مع هاتين القوتين، فعلى سبيل المثال أجرت فيتنام في شهر تموز مناورات عسكرية برية مشتركة مع الصين للمرة الأولى في تطور لافت بالنظر إلى أن عقيدتها الدفاعية التقليدية تحظر مثل هذه الأنشطة، كما اتفقت هانوي وواشنطن خلال زيارة وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى فيتنام الشهر الماضي على تعزيز التعاون الدفاعي عبر تبادل الوفود على مختلف المستويات والتدريب المشترك والتعاون في مجالات الطب العسكري والإغاثة من الكوارث والمساعدات الإنسانية والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، ومن المرجح أن تلتزم فيتنام بتعهدها القديم القائم على كسب مزيد من الأصدقاء وتقليص عدد الأعداء إلى جانب مبدأ التعاون والصراع في آنٍ واحد تفاديًا لاستعداء الولايات المتحدة أو الصين أو الوقوع في فخ الاعتماد المفرط على أي منهما.

وفي هذا السياق وصف الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي (تو لام) والقيادة الحزبية المرحلة الخمسية المقبلة بأنها عصر النهوض الوطني في إشارة إلى السعي نحو تسريع النمو وتعميق الإصلاحات ودفع مسارات التحديث والابتكار وتوسيع النفوذ الدولي، ورغم أن جانبًا كبيرًا من هذه الأجندة يركز على الداخل فإن النمو والتحديث داخليًا سيشكّلان بالضرورة رافعة لسياسة خارجية أكثر نشاطًا وتنوعًا، ويعزز هذا التوجه ما تحققه فيتنام من صعود ملحوظ على الساحة الدولية بوصفها قوة متوسطة إذ يشير مؤشر القوة الآسيوية لعام 2025 الصادر عن معهد لوي إلى أن فيتنام حققت ثاني أكبر قفزة سنوية بين 27 دولة شملها المؤشر واحتلت المرتبة الثانية عشرة بين أقوى دول المنطقة. وليست سياسة فيتنام القائمة على بناء شراكات استراتيجية جديدة لتفادي الارتهان للقوى الكبرى أمرًا مستحدثًا بحد ذاته، غير أن الجديد يتمثل في كثافة هذا التوجه واتساع نطاقه الجغرافي ليشمل مناطق خارج المحيطين الهندي والهادئ، ويشير ذلك إلى أن القيادة الفيتنامية باتت ترى أن استراتيجيتها السابقة لم تعد كافية لاحتواء تداعيات التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى.

وتحمل هذه التحولات دلالات مهمة على مستوى السياسات بالنسبة لعلاقة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفيتنام وللاستراتيجية الأميركية الأوسع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فعلى الرغم من أن هانوي ستواصل السعي إلى تعزيز التعاون الدفاعي مع واشنطن بما في ذلك في مواجهة الصين فإن هذا التعاون قد يظل محدودًا في ضوء توجه فيتنام نحو شراكات بديلة لتفادي الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، وقد تختار هانوي أيضًا تعزيز علاقاتها مع بكين بوصفها توازنًا في مواجهة واشنطن التي باتت تُنظر إليها على أنها غير متوقعة ومتقلبة، ولا سيما بعد أن فرضت رسومًا جمركية بنسبة 46 في المئة على الواردات الفيتنامية في نيسان قبل أن تتراجع لاحقًا إلى 20 في المئة.

ويعني تطور الاستراتيجية الفيتنامية أن إدارة ترامب قد تجد صعوبة متزايدة في الانخراط مع هانوي مستقبلًا، ومن بين الخيارات المتاحة لواشنطن الاعتماد على حلفائها وشركائها الذين تربطهم علاقات وثيقة بفيتنام ولا سيما الدول المدرجة ضمن قائمة التنويع الفيتنامية بما يتيح تعاونًا غير مباشر عبر دول صديقة مثل أستراليا والهند واليابان وسنغافورة، كما يمكن لواشنطن تقليص التركيز على منطق التنافس بين القوى الكبرى خلال مفاوضاتها مع هانوي وهو توجه بدأت الإدارة الأميركية بالفعل في اتباعه كما يتضح من استمرار التعاون بين البلدين في قضايا إرث الحرب، مثل إزالة آثار العامل البرتقالي والكشف عن مصير الجنود والمدنيين المفقودين.

غير أن الواقع يشير إلى أن التنافس بين القوى الكبرى لا يزال في صدارة تفكير وتخطيط صانعي القرار في واشنطن، وستظل فيتنام تبعًا لذلك عرضة لضغوط هذا التنافس وتقلباته، ومن الصعب في هذا السياق تحميل هانوي أي لوم على سعيها إلى التكيّف مع هذه البيئة الدولية المعقدة والاستجابة لها بما يحفظ مصالحها الوطنية.

 

* Derek Grossman, Vietnam Tries to Escape the U.S.-China Trap Hanoi has been quietly expanding partnerships beyond the Indo-Pacific, FOREIGN POLICY, December 9, 2025.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى