الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
الجبهة اللبنانية- “الإسرائيلية” أمام مهلة نزع سلاح حZب الله

بقلم: حنين محمد الوحيلي
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
مع اقتراب نهاية المهلة المتداولة لنزع سلاح حZب الله تدخل الجبهة اللبنانية-“الإسرائيلية” مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها الضغوط السياسية مع الإشارات العسكرية في سياق إقليمي لم تستقر بعد معادلاته النهائية. فالتصعيد في الخطاب والتحركات السياسية الخارجية ورفع منسوب الجهوزية الأمنية لا تعكس بالضرورة اقتراب تنفيذ قرار حاسم، بقدر ما تشير إلى محاولة إدارة مرحلة انتقالية يعاد فيها اختبار حدود الردع وإمكانات فرض الوقائع بعد التحولات التي فرضتها حرب غزة.
في هذا الإطار لا يمكن التعامل مع “المهلة” بوصفها استحقاقاً زمنياً تقنياً ولا كقرار منفصل عن البيئة السياسية والأمنية المحيطة به. فالمهلة تطرح في لحظة إقليمية ضاغطة تستخدم فيها الأدوات الزمنية والنفسية بديلاً عن الحسم العسكري المكلف، ويعاد عبرها ترتيب أولويات الصراع لا حسمه. وعليه فإن السؤال المركزي لا يتمحور حول قرب انتهاء المهلة بحد ذاته انما حول وظيفة هذا التوقيت، وحدود قدرته على إنتاج تغيير فعلي في جبهة محكومة بتوازن ردع دقيق وتشابك داخلي وإقليمي واسع.
أولاً: طبيعة “المهلة” ووظيفتها السياسية
في قراءة أولية تتبدى مهلة نزع السلاح بوصفها أداة ضغط سياسية- نفسية أكثر مما هي جدول تنفيذ عملي. فهي تستدعى عادةً حين يصبح الانتقال إلى الحسم العسكري عالي الكلفة وحين تفضل إدارة الصراع عبر الزمن بدل القوة المباشرة. وفي الجبهة اللبنانية- “الإسرائيلية”، لا يأتي هذا الخيار من فراغ بل من إدراك متبادل لصعوبة كسر التوازن القائم دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تتجاوز قدرة السيطرة على مساراتها.
ضمن هذا السياق يمكن رصد جملة سمات تحكم وظيفة المهلة:
-
تحويل الصراع من سؤال القدرة إلى سؤال الوقت: أي نقل النقاش من من يستطيع فرض الوقائع؟ إلى من يصمد أمام الضغط الزمني؟.
-
رفع السقف التفاوضي دون قرار حسم: استخدام المهلة كوسيلة لتحسين الموقع التفاوضي بدل الذهاب إلى مواجهة مباشرة.
-
إدارة الانطباع الداخلي والخارجي: تقديم المهلة كدليل على الحزم سواء للجبهة الداخلية أو للحلفاء.
-
اختبار ردود الفعل: قياس حدود التحمل لدى الطرف المقابل دون تجاوز الخطوط الحمراء.
بهذا المعنى لا تفهم المهلة كإعلان تنفيذ وشيك بقدر ما تفهم كأداة لإعادة ترتيب المشهد وخلق مناخ ضغط يبقي الخيارات مفتوحة.
ثانياً: مرتكزات المشهد الحاكم للجبهة الشمالية
يحكم الجبهة اللبنانية– “الإسرائيلية” عدد من المرتكزات البنيوية التي تحد من قابلية تحويل المهلة إلى واقع تنفيذي مباشر أبرزها:
-
توازن الردع المتبادل: الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة خاضعة لمعادلة ردع تراكمت عبر سنوات من الاشتباك غير المباشر ما يجعل أي تغيير جذري محفوفاً بمخاطر تصعيد غير مضبوط.
-
تشابك الملفات الإقليمية: ملف نزع السلاح لا يدار بمعزل عن غزة أو إيران أو الترتيبات الإقليمية الأوسع انما يستخدم ضمن سلة واحدة من الضغوط المتبادلة.
-
محدودية الفعل الأحادي: لا يملك أي طرف قدرة فرض وقائع استراتيجية منفرداً دون تحمل كلفة عالية سواء عسكرياً أو سياسياً.
-
أولوية إدارة الكلفة: القرارات في هذه الجبهة تتخذ وفق حسابات الكلفة والنتائج لا وفق الرغبة أو الخطاب.
هذه المرتكزات تجعل من أي مهلة زمنية أداة ضغط أكثر منها مفتاحاً لحسم.
ثالثاً: جنوب الليطاني كقلب النقاش وساحة الاختبار
لا يكتمل تحليل مهلة نزع السلاح من دون التوقف عند جنوب الليطاني بوصفه المجال الجغرافي الأكثر تداولاً في الطروحات الدولية و”الإسرائيلية” والأكثر حساسية في ميزان الردع القائم. فهذه المنطقة تقدم “إسرائيلياً” كمدخل إلزامي لإعادة الاستقرار إلى الجبهة الشمالية وكمرحلة أولى قابلة للتنفيذ إذا تعذر فرض تغيير أشمل. غير أن هذا الطرح يصطدم بجملة إشكاليات بنيوية:
-
جنوب الليطاني ليس فراغاً أمنياً بل مساحة خاضعة لتوازن ردع طويل الأمد جرى تثبيته عبر التجربة لا عبر النصوص فقط.
-
أي تغيير في هذه المنطقة يقرأ كتحول استراتيجي لا كإجراء تقني محدود لما لها من موقع متقدم في معادلة الاشتباك.
-
الرهان على إنجاز جزئي يعكس محاولة تسويق مكسب داخلي في ظل تعذر فرض تغيير شامل في الجبهة.
من منظور حZب الله لا تفصل هذه الجغرافيا عن معادلة الردع العامة، ولا تتعامل معها كحيز قابل للتجريب تحت ضغط زمني أو سياسي.
وعليه يصبح جنوب الليطاني ساحة تقاطع بين ضغط خارجي يسعى لإنتاج صورة إنجاز وموقف مقاوم يعتبر أن أي إعادة تعريف للانتشار أو الوظيفة العسكرية في هذه المنطقة لا يمكن أن تتم بمعزل عن استمرار التهديدات “الإسرائيلية” وغياب ضمانات حقيقية.
رابعاً: دلالات التحركات السياسية والعسكرية
في ظل هذا التعقيد تأخذ التحركات السياسية الخارجية ورفع الجهوزية العسكرية بوصفها أدوات إدارة صراع أكثر منها مؤشرات على قرار حسم وشيك. فتكثيف الخطاب ونقل منظومات دفاعية ورفع مستوى الاستعداد في الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، تهدف في الغالب إلى:
-
تحسين الموقع التفاوضي في أي مسار غير معلن.
-
طمأنة الجبهة الداخلية وإظهار السيطرة والجاهزية.
-
إيصال رسائل ردع محسوبة للطرف المقابل.
-
اختبار ردود الفعل وحدود التحمل دون تجاوز العتبة الحرجة.
في المقابل يتعامل حZب الله مع هذه الضغوط من زاوية تثبيت وظيفة السلاح لا التفاوض عليه. فالسلاح في خطابه وممارسته يقدم بوصفه عنصراً مركزياً في معادلة الردع والسيادة، لا ملفاً تقنياً قابلاً للتجزئة أو المعالجة تحت ضغط التوقيت. وهذا الفهم يسقط افتراض أن المهلة الزمنية وحدها يمكن أن تنتج تنازلاً بنيوياً.
في ضوء ما تقدم تتعدد المسارات المحتملة خلال المرحلة المقبلة دون أن يفرض أحدها نفسه كخيار حاسم:
-
تفريغ المهلة سياسياً
عبر إعادة تعريف “الإنجاز” أو تمديد غير معلن بما يسمح بتخفيف الضغط وتجنب التصعيد مع بقاء التوتر قائماً دون انفجار.
-
تصعيد محدود ومحسوب
يتمثل في إجراءات أو ضربات محدودة تهدف إلى رفع الكلفة أو الاستنزاف دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع بقاء خطر التدرج قائماً.
-
استمرار الوضع القائم المتوتر
حيث تبقى المهلة عنواناً للضغط الإعلامي والسياسي بينما يدار الواقع الميداني بمنطق الردع المتبادل وانتظار تطورات إقليمية أوسع.
إدخال عامل جنوب الليطاني إلى هذه التقديرات يزيد المشهد تعقيداً إذ إن أي مسار سيتأثر مباشرة بكيفية التعامل مع هذه الجغرافيا الحساسة، بوصفها خط تماس ردعي أكثر منها مساحة قابلة لإعادة الهندسة الأمنية السريعة.
في المحصلة لا تبدو مهلة نزع سلاح حZب الله استحقاقاً زمنياً قابلاً للحسم بمجرد اقتراب موعد بقدر ما تبدو أداة ضغط تستخدم في معركة أوسع على تعريف الواقع بعد غزة. فالجبهة اللبنانية– “الإسرائيلية” محكومة بتوازنات دقيقة تجعل من أي تغيير فعلي مسألة كلفة وقدرة وحدود لا مسألة رغبة أو إنذار زمني. وبين إدارة الضغط واحتمالات التصعيد المحدود واستمرار التوتر دون حسم تبقى الجبهة ساحة اختبار لميزان القوة أكثر منها ساحة لتنفيذ قرارات نهائية، في لحظة إقليمية لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.




