الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الوضع الراهن في سوريا.. قراءة تحليلية في ظل التدخلات الدولية والإقليمية

بقلم: الباحث عادل محمد عادل
كلية السياسة والإقتصاد – جامعة بني سويف / مصر
شهدت الساحة السورية خلال السنوات الأخيرة تحولات معقدة ومتداخلة، جعلت من الأزمة السورية واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة، لم تصل سوريا إلى تسوية نهائية شاملة، بل دخلت في مرحلة جديدة يمكن وصفها بمرحلة “الوضع الراهن”، والتي تتسم باستمرار التوترات الأمنية، وتعدد التدخلات الخارجية، مع محاولات سياسية محدودة لإدارة الصراع بدلًا من حله جذريًا.
وتكتسب دراسة الوضع الراهن في سوريا أهمية خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد الأزمة السورية شأنًا داخليًا فقط، بل تحولت إلى ملف إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية. كما أن استمرار التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدور الأمريكي والضربات “الإسرائيلية”، يفرض ضرورة تحليل هذه المرحلة بشكل علمي متوازن.
ويهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة تحليلية للوضع الراهن في سوريا، من خلال تناول أبعاده السياسية والعسكرية والإقليمية والدولية، مع التركيز على طبيعة التوازنات القائمة، وانعكاساتها على مستقبل الدولة السورية. ويعتمد البحث على أسلوب وصفي تحليلي، بلغة علمية مبسطة، تتناسب مع مستوى الطالب الجامعي، وبعيدًا عن التعقيد أو الأحكام المسبقة.
الخلفية النظرية للوضع السوري الراهن

يمثل الوضع الراهن في سوريا نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية وأمنية امتدت لسنوات طويلة، حيث انتقلت الأزمة من كونها صراعًا داخليًا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح. وتُعد هذه المرحلة امتدادًا لمسار لم يُحسم بعد، حيث لم تنتهِ أسباب الصراع الأساسية، بل جرى احتواؤها جزئيًا دون معالجة جذرية.
من الناحية النظرية، يمكن تفسير الحالة السورية في ضوء مفهوم “الدولة الهشة”، حيث تعاني الدولة من ضعف القدرة على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها، مع وجود فاعلين غير دوليين، وتعدد مراكز القوة. كما يمكن فهم الأزمة في إطار نظرية “الصراعات المركبة”، التي تجمع بين البعد الداخلي، والتدخل الخارجي، وتضارب المصالح الدولية.
وفي المرحلة الحالية، لم يعد الصراع في سوريا صراعًا شاملًا مفتوحًا كما في السنوات السابقة، بل تحول إلى صراع منخفض الحدة، يتمثل في ضربات محدودة، وتحركات عسكرية محسوبة، ومساومات سياسية غير مكتملة، وهو ما يعكس حالة من “اللا حرب واللا سلم”.
وتشير الأدبيات السياسية إلى أن هذا النوع من الصراعات غالبًا ما يستمر لفترات طويلة، خاصة في الدول التي تشهد تدخلات خارجية متعددة، حيث يصبح الصراع أداة لإدارة التوازنات بدلًا من حسمها. وفي الحالة السورية، يظهر ذلك بوضوح من خلال بقاء الوضع على ما هو عليه، دون انتقال حقيقي إلى مرحلة ما بعد الصراع.
كما أن غياب تسوية سياسية شاملة يجعل الوضع الراهن حالة ديناميكية قابلة للتغير، حيث يتأثر المشهد السوري بتطورات إقليمية ودولية متلاحقة، مثل تغير أولويات القوى الكبرى أو تصاعد أزمات إقليمية أخرى. ومن ثم، فإن فهم الخلفية النظرية للوضع السوري الراهن يُعد مدخلًا أساسيًا لتحليل باقي أبعاد الأزمة.
الأبعاد العسكرية والأمنية للوضع الراهن

لا يزال المشهد العسكري في سوريا عنصرًا أساسيًا في فهم الوضع الراهن، حيث تشهد بعض المناطق توترات أمنية متقطعة، على الرغم من تراجع حدة العمليات العسكرية واسعة النطاق. وتتمثل أبرز سمات هذا البعد في استمرار الوجود العسكري الأجنبي، وتعدد مناطق النفوذ، وغياب سيطرة مركزية كاملة على جميع الأراضي السورية.
تلعب الولايات المتحدة دورًا عسكريًا مباشرًا في بعض المناطق، وتبرر وجودها بمكافحة التنظيمات الإرهابية، ومنع عودتها للظهور مجددًا. ويُعد هذا الوجود أحد عناصر التوازن العسكري في المشهد السوري، لكنه في الوقت ذاته يمثل عامل توتر دائم، خاصة في ظل غياب توافق دولي واضح حول مستقبل هذا الوجود.
ويُلاحظ أن التدخل العسكري الأمريكي يتسم بطابع محسوب، حيث يهدف إلى منع انهيار التوازنات القائمة دون الانخراط في مواجهة شاملة. ويعكس ذلك استراتيجية إدارة الصراع بدلًا من حسمه، وهو ما يفسر استمرار الضربات المحدودة دون تصعيد واسع.
أما الضربات “الإسرائيلية” داخل الأراضي السورية، فتندرج في إطار حسابات أمنية إقليمية، حيث تستهدف مواقع عسكرية محددة، دون الانخراط في مواجهة شاملة. وتُسهم هذه الضربات في إبقاء مستوى التوتر قائمًا، كما تعكس طبيعة الصراع غير المباشر الدائر على الأراضي السورية.
ويؤدي استمرار هذا الوضع الأمني إلى إعاقة جهود الاستقرار، ويجعل المشهد السوري عرضة لتغيرات مفاجئة، ترتبط بتطورات إقليمية أو دولية. كما أن تعدد الفاعلين العسكريين يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل أي حل أمني شامل أمرًا بالغ الصعوبة في المدى القريب.
البعد السياسي والإقليمي والدولي للأزمة السورية
يُعد البعد السياسي أحد أكثر أبعاد الأزمة السورية تعقيدًا، حيث لم تنجح المسارات السياسية المختلفة في الوصول إلى حل شامل يرضي جميع الأطراف. فالمفاوضات السياسية لا تزال تراوح مكانها، في ظل تضارب المصالح بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الملف السوري.
وتعكس هذه الحالة ضعف الإرادة الدولية في فرض تسوية حقيقية، حيث تفضل العديد من الأطراف الإبقاء على الوضع الراهن، لما يتيحه من هامش حركة سياسي وأمني. كما أن الانقسامات داخل المجتمع الدولي تُعد من العوامل الأساسية التي تعرقل أي تقدم ملموس في المسار السياسي.
إقليميًا، تمثل سوريا ساحة تفاعل بين قوى إقليمية تسعى إلى تعزيز نفوذها أو حماية مصالحها الأمنية، وهو ما ينعكس على مسار الأزمة بشكل مباشر. أما دوليًا، فتتعامل القوى الكبرى مع الملف السوري باعتباره ورقة ضمن صراعات أوسع، سواء في إطار التنافس الدولي أو إعادة ترتيب موازين القوى في “الشرق الأوسط”.
ويبرز الدور الأمريكي كأحد العناصر المؤثرة في المعادلة السياسية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة الأزمة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، دون الانخراط في تسوية شاملة قد تفرض عليها التزامات طويلة الأمد. وفي المقابل، تظل الضربات “الإسرائيلية” جزءًا من هذا السياق الإقليمي المعقد، حيث تتقاطع السياسة بالأمن.
ويؤدي هذا التداخل بين الأبعاد السياسية والإقليمية والدولية إلى إطالة أمد الأزمة، ويجعل من الصعب الوصول إلى رؤية موحدة لمستقبل الدولة السورية.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسيناريوهات المستقبلية
أدى استمرار الوضع الراهن في سوريا إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، حيث يعاني الاقتصاد السوري من ضعف شديد نتيجة سنوات الصراع، والعقوبات، وغياب الاستقرار. وتتمثل أبرز هذه الآثار في تراجع مستوى المعيشة، وارتفاع معدلات الفقر، وضعف البنية التحتية.
كما أن استمرار التوتر الأمني يؤثر سلبًا على فرص إعادة الإعمار، حيث تتردد الجهات الدولية في تقديم دعم اقتصادي واسع في ظل غياب تسوية سياسية مستقرة. ويؤدي ذلك إلى استمرار معاناة المواطن السوري، ويُعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
اجتماعيًا، تركت الأزمة آثارًا عميقة على النسيج المجتمعي السوري، حيث أدت سنوات الصراع إلى تآكل الثقة بين مكونات المجتمع، وظهور تحديات تتعلق بإعادة الاندماج المجتمعي والمصالحة الوطنية. وتُعد هذه التحديات من أبرز العقبات أمام أي مشروع للاستقرار طويل الأمد.
وفيما يتعلق بالمستقبل، يمكن تصور عدد من السيناريوهات، أبرزها استمرار الوضع الراهن مع استقرار نسبي هش، أو الانتقال التدريجي نحو تسوية سياسية شاملة، أو العودة إلى التصعيد في حال تغيرت موازين القوى الإقليمية والدولية. ويظل السيناريو الأول هو الأقرب في المدى القريب، في ظل المعطيات الحالية.
ويعتمد تحقق أي من هذه السيناريوهات على طبيعة التفاعلات الدولية والإقليمية، وقدرة الأطراف السورية على تجاوز الخلافات الداخلية، والانخراط في مسار سياسي أكثر شمولًا.
الخاتمة
يخلص فيما إلى أن الوضع الراهن في سوريا يعكس حالة معقدة من التوازنات الهشة، حيث تتداخل الأبعاد الداخلية مع التدخلات الخارجية، في إطار إقليمي ودولي شديد التعقيد. ولا يمكن فهم هذه المرحلة إلا من خلال تحليل شامل يربط بين السياسة والأمن والاقتصاد والمجتمع.
وأن مستقبل سوريا لا يزال مفتوحًا على عدة احتمالات، وأن الوصول إلى استقرار حقيقي يتطلب إرادة سياسية داخلية، وتوافقًا دوليًا وإقليميًا، يتجاوز منطق إدارة الصراع إلى منطق حله.



