الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الانقلاب الفاشل في بنين يكشف تفاقم الانقسامات الجيوسياسية في أفريقيا

بقلم: هوارد دبليو. فرينش
كاتب عمود في مجلة فورين بوليسي
ترجمة: صفا مهدي
تحرير: د: عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
لم يكن فشل المحاولة التي نفذها جنود في دولة بنين الواقعة في غرب أفريقيا الأسبوع الماضي للإطاحة بالرئيس المنتهية ولايته باتريس تالون، مجرد حدث لافت في دولة صغيرة يصعب على كثيرين خارج القارة الأفريقية تحديد موقعها الجغرافي، فقد تجاوزت هذه المحاولة في دلالاتها وتداعياتها إطار الشأن الداخلي، لتكشف عن تحولات أعمق في البيئة الجيوسياسية الإقليمية. إذ سرعان ما وضعت محاولة الانقلاب ولو لفترة وجيزة، الجغرافيا السياسية لغرب أفريقيا بأكملها تحت مجهر التدقيق، مظهرةً بوضوح تصاعد خطوط الانقسام والتصدع في منطقة تشهد أصلًا مستويات متزايدة من الهشاشة وعدم الاستقرار خلال السنوات الأخيرة.
وقد نجا نظام تالون بصعوبة بالغة بفضل تدخل إقليمي معقّد ومتعدد الأطراف شاركت فيه قوات من الدول الأعضاء في الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وقادت نيجيريا هذا التدخل بوصفها الجار الأكبر لبنين من جهة الشرق وأكثر دول القارة الأفريقية من حيث عدد السكان، حيث أرسلت أبوجا عناصر من سلاحها الجوي لتنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع المتمردين فضلًا عن تقديم الدعم للقوات الموالية للحكومة أثناء إعادة تنظيم صفوفها.
غير أن هذا المشهد لم يكن مكتملًا من دون الإشارة إلى الدور الفرنسي الذي برز في الخلفية، ففرنسا التي أُجبرت مؤخرًا على انسحاب تدريجي لكنه مهين من عدد من مستعمراتها السابقة في غرب أفريقيا، تواجه تراكُم مشاعر السخط الشعبي تجاه استمرار نفوذها في المنطقة إلى جانب الغضب من إخفاق استراتيجياتها الطويلة الأمد في مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة عبر سياسات أمنية عنيفة لمكافحة التمرد، وفي سياق متّسم بالحذر واتباعًا لقيادة نيجيريا وإيكواس – وبناءً على طلب رسمي من حكومة بنين – قدّمت باريس دعمًا لوجستيًا جوّيًا ومعلومات استخباراتية للقوات الموالية انطلاقًا من قاعدة عسكرية لها في ساحل العاج.
وتُعد فرنسا من أكثر القضايا إثارةً للانقسام في الرأي العام لغرب أفريقيا إذ كان مجرد انخراطها في الأزمة كافيًا لإطلاق موجة واسعة من الاتهامات والتشكيك في النوايا، وقد تجاهل كثير من المنتقدين حقيقة أن حكومة بنين وصلت إلى السلطة عبر انتخابات وأن الرئيس تالون كان يستعد لمغادرة منصبه طوعًا بعد انتهاء ولايته الثانية في سلوك بات نادرًا في منطقة اعتادت أن تُقدِم فيها أنظمة عديدة على تعديل دساتيرها لتمديد بقائها في الحكم إلى أجل غير مسمى، وبدلًا من النظر إلى الحدث بوصفه دفاعًا عن واحدة من الديمقراطيات القليلة المتبقية في غرب أفريقيا ركّزت الانتقادات على سياسات تالون الداخلية ولا سيما مساعيه إلى تقليص المجال المتاح للمعارضة السياسية خلال فترة حكمه، والمفارقة أن العديد من هؤلاء المنتقدين أبدوا قدرًا محدودًا من الاهتمام بحقيقة أن المجموعة الغامضة من العسكريين الذين حاولوا الإطاحة به لم تعلن أي التزامات واضحة تجاه الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان.
وتجاوزت بعض الانتقادات هذا الإطار لتلمّح إلى وجود دوافع خفية وراء التدخل النيجيري ذاته، إذ اعتبر هؤلاء أن تدخل دولة مثل نيجيريا – التي باتت مصداقيتها الديمقراطية موضع تساؤل متزايد رغم انتظام العملية الانتخابية فيها – في دولة مجاورة صغيرة لا تحظى عادة باهتمام يُذكر لدى الرأي العام النيجيري لا يمكن تفسيره إلا ضمن حسابات غير معلنة، وكما جرت العادة في كثير من أزمات غرب أفريقيا وُضعت فرنسا مجددًا في موقع “المحرّك الخفي” للأحداث، واستنادًا إلى توقيع نيجيريا مؤخرًا اتفاقًا مع باريس لتبادل البيانات الضريبية ذهب بعض المنتقدين إلى الادعاء بأن المشاركة في التدخل في بنين لم تكن سوى ثمن سياسي فرضته فرنسا مقابل هذا التعاون.

وكأنّ هذه التعقيدات لم تكن كافية فخلال استمرار التدخل النيجيري دعمًا للرئيس باتريس تالون أقدمت بوركينا فاسو الجارة الشمالية الغربية لبنين على احتجاز طائرة نقل عسكرية نيجيرية مؤقتًا بعد هبوطها الاضطراري غير المجدول على أراضيها، وتُعد بوركينا فاسو إحدى دول الساحل الثلاث – إلى جانب مالي والنيجر- المنضوية ضمن تكتل سياسي حديث العهد يُعرف باسم “تحالف دول الساحل (AES)” والذي يتصدر الجهود الرامية إلى تقليص النفوذ الفرنسي في المنطقة، وقد طالبت هذه الدول الثلاث في وقت قريب باريس بسحب قواتها العاملة في مكافحة التمرد من أراضيها رغم أن الدول الثلاث نفسها تقع في صميم موجة متصاعدة من هجمات الجماعات الإسلامية المسلحة، (كما شهدت كل منها انقلابات ناجحة خلال السنوات الخمس الماضية وهي تُدار حاليًا من قبل أنظمة عسكرية).
وعلى الرغم من كون بوركينا فاسو ومالي والنيجر دولًا حبيسة ومن بين الأفقر عالميًا فإنها أعلنت انسحابها من الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في كانون الثاني الماضي، وتصر هذه الدول على أن توحّدها ضمن إطار تحالفي خاص سيمنحها قدرة أكبر على حماية أراضيها وتحقيق التنمية مقارنة بالترتيبات السابقة، سواء تلك التي قامت على التعاون مع فرنسا أو ضمن منظومة أوسع لدول غرب أفريقيا.
ومن يقرأ هذه التطورات قد يستنتج بحق إلى أن المنطقة تمر بحالة اضطراب عميق وتتجه نحو مزيد من الانقسام، غير أن المشهد لا يختزل في قراءات شديدة التشاؤم أو في تفسيرات تنزلق إلى السخرية السياسية، فنيجيريا على سبيل المثال تمتلك مجموعة دوافع خاصة بها تبدو كافية لتفسير سبب تحرك حكومتها- التي كثيرًا ما تُتهم بالجمود- بسرعة نسبيًا تجاه ما جرى في الدولة المجاورة.
وفي هذا السياق لا تبدو فرنسا المشكلة الأساسية بالنسبة لنيجيريا، إذ تواجه هذه الدولة العملاقة في غرب أفريقيا طيفًا معقدًا من التمردات الإسلامية المسلحة وشبكات العنف المحلي المنظم، كما تعرضت مؤخرًا لضغوط سياسية من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي زعمت- دون أساس واقعي- وقوع “إبادة جماعية” بحق المسيحيين في نيجيريا ولوّحت واشنطن بإجراءات انتقامية غامضة تحت ذريعة حماية هذه الشريحة من السكان.
ومع ذلك فإن البحث خارج حدود نيجيريا لتفسير تدخلها في بنين يظل غير ضروري، فمجرد مشاهدة بنين وهي تسقط في قبضة انقلاب عسكري كان ليشكّل سيناريو بالغ الخطورة بالنسبة لأبوجا، إذ كان من شأن نجاح انقلاب كهذا أن يسهم في تعزيز التمردات داخل نيجيريا نفسها فضلًا عن تطويقها بدول تُدار عسكريًا من جميع الجهات دول تحالف الساحل من الشمال والكاميرون من الشرق وهي دولة تعاني فسادًا مستشريًا ونظامًا سياسيًا يفتقر إلى المعايير الديمقراطية.
غالبًا ما يُقصّر المراقبون الغربيون وغيرهم في فهم تعقيدات السياسة الوطنية في أفريقيا إذ يميلون إلى اختزالها في سرديات ضيقة عن “العرق” أو “القبيلة” أو في هيمنة ما يُسمّى اختزالًا ب”الرجال الكبار”- أي السلطويين والدكتاتوريين، ويُعد هذا التبسيط خسارة معرفية حقيقية لأن السياسة في أفريقيا تشبه إلى حدّ بعيد السياسة في أي مكان آخر من العالم، وتزداد هذه الحقيقة وضوحًا في ظل انزلاق ديمقراطيات غربية عريقة بما في ذلك الولايات المتحدة نحو أنماط من السلطوية والفساد الزبائني.
وفوق ذلك تعجّ القارة الأفريقية بتجليات جيوسياسية تتصدر المشهد في مواضع عديدة، فالحرب الأهلية في السودان على سبيل المثال تكشف بوضوح أدوار داعمين خارجيين ذوي مصالح مادية مثل دولة الإمارات العربية المتحدة التي تدعم أطرافًا بعينها، كما تتجلى المنافسة الأميركية–الصينية في دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وغينيا، حيث يتصارع الطرفان على النفاذ إلى المعادن الاستراتيجية والسيطرة على شبكات النقل الحيوية.
ويضاف إلى ذلك العنف المزمن في شرق الكونغو حيث دعمت أوغندا- ولا سيما رواندا- قوات بالوكالة على مدى سنوات بما مكّنها من التحكم في موارد طبيعية عالية الربحية، ويقدّم هذا الواقع دليلًا إضافيًا إن لزم الأمر على أن الجغرافيا السياسية في أفريقيا ليست بالضرورة نتاج قوى خارجية فحسب، بل كثيرًا ما تنبع من ديناميات داخلية وإقليمية ذاتية.
وقد بدأتُ أُدرك هذا الطابع الذاتي والمتداخل للجغرافيا السياسية الأفريقية في وقت مبكر أثناء تغطيتي لما اعتُبر آنذاك “أول حرب عالمية أفريقية” في أواخر تسعينيات القرن الماضي، فقد اندلع ذلك الصراع الهائل في سياق مساعي رواندا للإطاحة بموبوتو سيسي سيكو الدكتاتور المخضرم لزائير (التي أُعيد تسميتها لاحقًا بجمهورية الكونغو الديمقراطية) ثم بمحاولة إزاحة خليفته لوران كابيلا، وقد استدرج سعي رواندا وراء النفوذ والثروة الإقليمية أطرافًا أفريقية أخرى من بينها أنغولا وزيمبابوي وناميبيا.
غير أن التدخل النيجيري لإجهاض محاولة الانقلاب الأخيرة في بنين، يعيد إلى الأذهان صراعات أخرى شهدتها خلال الحقبة نفسها ولا سيما الحروب الأهلية الدموية في سيراليون وليبيريا، ففي كلتا الحالتين نشرت نيجيريا- رغم خضوعها آنذاك لأقسى دكتاتورية عسكرية في تاريخها- قوات عسكرية تحت مظلة إيكواس لمنع سقوط العواصم الوطنية بيد الجماعات المتمردة.

ورغم أن أداء القوات النيجيرية لم يكن دائمًا مثاليًا، فإن تدخلها أسهم في إنقاذ تلك الدول الصغيرة- وربما جيرانها أيضًا- من مسارات كارثية كان من المرجح أن تترسخ لو تُركت الجماعات المسلحة تعبث بأمن المنطقة.
ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه القارة الأفريقية اليوم يتمثل في نيجيريا نفسها، فمنذ الاستقلال أخفقت البلاد إلى حد بعيد في استثمار إمكاناتها الهائلة متأخرةً عن العديد من جيرانها في توليد الثروة وتوفير الكهرباء والتعليم والرعاية الصحية، وباستثناءات محدودة اتسمت حكوماتها بالضعف وغياب الرؤية الوطنية في حين انشغلت نخبها بتحقيق مصالحها الخاصة بمعزل عن هموم المجتمع الأوسع.
وبالطبع فإن التدخل في بنين وحده لن يغير مسار نيجيريا جذريًا، غير أن امتلاك سياسة أمن قومي جادة- تشمل انخراطًا عميقًا والتزامات مشتركة مع دول الجوار- يُعد خطوة لا غنى عنها في طريق بناء إحساس حقيقي بالغاية الوطنية، وإذا كانت نيجيريا قد خطت خطوة صغيرة في هذا الاتجاه في الوقت الذي ساعدت فيه على استقرار جارها، فإن القارة الأفريقية بأسرها قد تكون المستفيد الأكبر من ذلك.
* Howard W. French, Benin’s Failed Coup Reveals Deepening Fault Lines in Africa The foiled putsch placed the continent’s geopolitics under a magnifying glass, Foreign Policy, December 18, 2025.



