الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
هل تقترب القاعدة من إسقاط مالي؟

بقلم: زيد ابو جون
باحث في شؤون الإرهاب والجماعات المتطرفة
في واحدة من اسوء مراحل الدولة منذ استقلالها باتت مالي على أعتاب تولّي تنظيم القاعدة لدفة حكمها متمثلاً بـجماعة نصرة الاسلام والمسلمين JNIM، وهي تقوم بمحاصرة العاصمة “بامكو” بحصار خانق قاطعة به طرق الإمداد الحيوية متسببةً بأزمة اقتصادية رفعت أسعار الوقود بشكل جنوني وسببت شلل شبه تام للحياة العامة.
“في حال سقوط العاصمة ستصبح مالي أول دولة في العالم تُدار من قبل جماعة مصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة”، هو نص تقرير صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلاً عن مسؤولين غربيين وأفارقة. يصف فيه التقرير الأزمة التي وصلت إليها البلاد والتي بدأت فعلياً منذ مطلع سبتمبر الماضي، عندما بدأت جماعة نصرة الاسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة بتطبيق إستراتيجية استنزاف سميت بـ”الخنق البطيء” عندما قطعت امدادات الوقود والمواد الاساسية عن العاصمة، مستهدفة لقوافل الشحن القادمة من الموانئ المجاورة. ومنذ ذلك الحين تعيش مالي تحت وطئه إنهاك غير طبيعي أدى الى تخفيض المؤسسات الحكومية لنشاطها بسبب الانقطاع التام للطاقة الكهربائية وإغلاق لمحطات الوقود، وسط عجز واضح في التمويل الحكومي بما يخص احتواء الأزمة المتصاعدة.
ماهي إستراتيجية الإستنزاف؟
والفكرة هنا هي أن الجماعة الإرهابية تشن سلسلة متواصلة من الهجمات، غالبًا ما تكون منخفضة المستوى. أي، لسعات دقيقة تفتح بإستمرارها جرحاً غائرا، بأسلوب أضرب واهرب وتجنب أي معارك مباشرة وهذه الهجمات تُوقع خسائر بشرية، وتُدمر الممتلكات، وتُنهك الجانب الآخر تدريجيًا وعلى المدى البعيد.
مع مرور الوقت، تُصاب الأجهزة الأمنية بالإحباط. وتضطر الحكومة إلى إنفاق المزيد والمزيد على توفير الأمن. ويبدأ الناس في الجانب الآخر بالتساؤل عما إذا كان الأمر يستحق الاستثمار، وما إذا كان عليهم ببساطة الاستسلام للجماعة الإرهابية والتسليم بالأمر الواقع.
تعتبر استراتيجية الاستنزاف هي خريطة العمل الأمثل بالنسبة لجماعة نصرة الاسلام والمسلمين، وذلك بسبب قلة عدد وعدّة الجماعة، بحسب الخبير في منطقة الساحل الافريقي “أولف ليسن” فإن الجماعة غير قادرة على القيام بمعركة شاملة لإسقاط حكومة العاصمة المالية كما فعلت طالبان في 2021، لذلك فإن جماعة نصرة الاسلام والمسلمين تستهدف زرع اليأس والغضب في الأوساط الاجتماعية من داخل العاصمة من خلال الحصار الاقتصادي تمهيداً لإسقاط تدريجي للعاصمة.
يعتمد نجاح استراتيجية الإستنزاف هنا غالبًا على الحكومة التي تُعارضها الجماعة الإرهابية. السؤال ببساطة هو: ما مدى اهتمامها بالرأي العام؟ قد تتمكن الديكتاتورية، على سبيل المثال، من تجاهل أعداد كبيرة من الضحايا، والتحكم في الإنفاق دون أن تشكو الأصوات الشعبية. وهذ ما يحصل بالفعل في مالي، فمنذ بدء الحصار على العاصمة بداية سبتمبر المنصرم وعدت الحكومة المتمثلة بالمجلس العسكري ورئيسه آسيمي جويتا بكسر الحصار واستعادة الأمن، ولكن وعلى مدى أكثر من شهرين لم تنجح الحكومة بالإيفاء بوعودها ما يجعل مصداقيتها تحت تشكيك الأوساط الشعبية في البلاد.
تكمن مشكلة الجماعة الإرهابية في أنها تحتاج إلى البقاء على قيد الحياة للاستمرار في استراتيجية الاستنزاف. وستواجه هجومًا شرسًا من الحكومات التي تمتلك دائمًا التفوق المالي وعددًا كبيرا من رجال الشرطة والجيش والاستخبارات يفوق عدد أعضاء الجماعة الإرهابية. بالتالي، يتعين على الجماعة الإرهابية الصمود في وجه هذا الهجوم، مع الاستمرار في تنفيذ الهجمات من خلال وجود حاضنة اجتماعية تزود الجماعة الإرهابية بالعنصر البشري، والاستدامة المالية التي توفرها مصادر تمويل الجماعة كخطف الرهائن مثلاً كما أعلنت جماعة نصرة الاسلام والمسلمين منذ ايام مسؤوليتها عن خطف 3 مصريين غرب العاصمة بامكو مع طلب فدية 5 ملايين دولار. وتزامن مع ذلك حصولها على 50 مليون دولار كفدية عن إطلاق سراح 3 رهائن، إماراتيين إثنين وإيراني، في عملية وصفتها رويترز بأنها من أكبر عمليات التمويل عبر الفدية في تاريخ الجماعات الجهادية في الساحل الافريقي.
من هي جماعة نصرة الاسلام والمسلمين JNIM؟
هي جماعة جهادية سُنية سلفية مسلحة مبايعة لتنظيم القاعدة، تم الإعلان عنها من شمال مالي في اذار 2017 ناتجة عن تحالف جماعات اهمها، تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي، وتنظيم مرابطون، وتنظيم أنصار الدين، وتنظيمات صغيرة محلية أخرى كـ كتائب ماسينا وإمارة الصحراء الكبرى، وغيرها. أدرجتها الولايات المتحدة على قوائم الإرهاب في أيلول 2018.
(الشكل-1) أمراء الجماعات الإرهابية في مالي خلال إعلان الاندماج في “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”
استغلت تلك الجماعات حالة الاضطراب في شمال دولة مالي من تمرد وتحديداً في إقليم أزواد شمال البلاد الذي أعلنته الحركة الوطنية لتحرير أزواد كدولة مستقلة في 6 نيسان 2012 عن دولة مالي. تعيش قبائل “الطوارق” البدو الرحل الذي سكنوا تلك المناطق لقرون عديدة في وضع عدم اعتراف بالحدود الوضعية، لذلك فإن مناطق شمال مالي تعيش صراعات قومية مستمرة مع الحكومة، أستغلها إرهابيو الجماعات السلفية الجهادية رافعين راية “التوحيد” معلنةً أن الشمال أصبح إمارة اسلامية جاهزة لحكم الشريعة الاسلامية وتطبيق الحدود في مناطق، جاو، وتومبكتو، وكيدال.
أمير الجماعة
يتزعّم جماعة نصرة الاسلام والمسلمين الشيخ ابو الفضل إياد آغ غالي، وهو زعيم قبلي من الطوارق وعمل ذات مرة كدبلوماسي مالي في المملكة العربية السعودية، وقف في يوم من الايام مع الحكومة ضد ميليشيات الأزواد الإنفصالية ثم تحول لعدو لها. نجح بجمع الجماعات والقبائل تحت عبائته الى أن أعلن بنفسه في العام 2017 ولادة جماعة نصرة الاسلام والمسلمين تحت راية تنظيم القاعدة. (الشكل-2)
(الشكل-2) الإرهابي إياد أغ غالي، أمير جماعة نصرة الاسلام والمسلمين
تمويل الجماعة
تتنوع مصادر التمويل لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين حسب الزمان والمكان ولكن يمكن سردها بما يلي، وهي الزكاة، وجباية الضرائب على الطرق والضرائب المفروضة على التجارة، التعدين الحرفي للذهب والابتزاز والنهب، والدخل الناتج عن أشكال التهريب المختلفة، كالتورط بشكل مباشر في تهريب المخدرات، ونهب الماشية، إضافة الى الحصول على فدى مقابل الرهائن. ونقلاً عن رويترز، ذكرت مجموعة “بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة”، وهي مجموعة أمريكية لرصد الأزمات ويٌشار إليها اختصارا باسم (أكليد)، أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تشن حملات اختطاف على نطاق واسع تستهدف الأجانب بهدف تمويل عملياتها في غرب أفريقيا.
الجماعة اليوم
عموماً تنشط الجماعة اليوم في دول الساحل الأفريقي، مالي، النيجر، بوركينا فاسو، موريتانيا، ساحل العاج، وحتى نيجيريا. تقوم الجماعة اليوم بمحاصرة عاصمة مالي “باماكو” منذرة بإمكانية سقوطها في أي لحظة وسط حصار اقتصادي منذ أكثر من شهرين، أحدث شلل شبه تام في حركة الجيش والمرافق الحيوية وتعطيل الدوام الرسمي. على الرغم من عدم قدرة الجماعة على إسقاط العاصمة بمعركة عسكرية مباشرة ولكن استراتيجية الاستنزاف التي تقوم بها ممكن أن تؤدي إلى تآكل الدولة من الداخل وسقوطها.
اتت تلك التداعيات المتسارعة لنشاط الجماعة في أعقاب سلسلة هجمات نفذها عناصرها منذ ايلول المنصرم، ابتدأت تلك الهجمات باستهداف قوافل نقل الوقود قادمة من السنغال وساحل العاج في طريقها نحو العاصمة واحرقوا العشرات منها واستولوا على البقية في حركة شلّت حتى حركة قوات الدعم الحكومي في منطقة “كاتي” المجاورة بسبب نفاذ الوقود. وصل سعر لتر البنزين الواحد الى 3.5 دولار امريكي، جاعلاً رئيس الوزراء المالي عبدالله ميغا يقول في تصريح لافت: “حتى لو اضطررنا للبحث عن الوقود مشياً على الأقدام أو بملعقة، سنبحث عنه”. وصل الحال الى إغلاق المدارس والجامعات لتقليل استهلاك الوقود.
فيما أعلنت شركة الشحن البحري العملاقة (MSC)، وهي أكبر ناقل بحري في العالم، تعليق خدماتها البرية من وإلى مالي حتى إشعار اخر بسبب تدهور الوضع الامني واستمرار أزمة الوقود الناتجة عن هجمات جماعة نصرة الأسلام والمسلمين JNIM . وأوضحت الشركة التي مقرها جنيف السويسرية، أن عمليات النقل البري توقفت بشكل فوري، في خطوة تأتي بعد انسحاب شركة CMA-CGM من السوق المالي، مما يزيد من حدّة العزلة الاقتصادية التي تعيشها البلاد تحت وطأة الحصار الذي تفرضه الجماعة على العاصمة.
وفي وسط الفوضى الأمنية التي تعانيها البلاد تم في مساء اليوم السادس من تشرين الثاني الجاري اختطاف خمسة مهندسين هنود أثناء عملهم ضمن مشروع للطاقة في منطقة كوبري التابعة لأقليم كيتا غرب البلاد. وبحسب المعلومات الاولية، لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن العملية، غير أن معظم عمليات الاختطاف السابقة التي استهدفت الاجانب في مالي كانت تقف خلفها جماعة نصرة الاسلام والمسلمين JNIM، أبرزها اقتحام مستودع طائرات اماراتي قرب العاصمة بامكو، واختطاف إماراتيين اثنين وإيراني واحد.
وفي سياق متصل أعتبر مشروع التهديدات الحرجة CTP التابع لمعهد المؤسسة الامريكية للأبحاث، من ان العاصمة المالية بامكو تواجه خطراً متزايدا مع تصاعد انشطة جماعة نصرة الاسلام والمسلمين JNIM، مشيراً أنه بالرغم من عدم قدرة الجماعة حالياً على إسقاط العاصمة وإحتلالها، ولكن لا ينبغي على العالم الوقوف متفرجاً بينما تهدد الجماعة التابعة للقاعدة بانهيار مالي وتمدد نفوذها في غرب أفريقيا. واعتبر المركز ان الحصار الذي تفرضه الجماعة منذ أشهر على إمدادات الوقود في جنوب البلاد وحول العاصمة يمثل منعطفاً حاسماً في مسار التمرد المستمر منذ 13 عاماً، مشيراً الى ان الأزمة بلغت اليوم أكثر المناطق حساسية إقتصاياً وسياسياً في البلاد.
وأوضح المركز ان المخاطر واضحة، فالفشل في اتخاذ إجراءات عاجلة قد يؤدي الى صعود دولة جديدة تحت قيادة تنظيم القاعدة. ودعا الولايات المتحدة وحلفاءها الى التحرك الفوري عبر الخطوات التالية:
-
إرسال المزيد من الأصول الاستخبارية الى المنطقة لمساعدة الحكومة المالية في مواججهة الحصار القائم وحماية المواطنين الأمريكيين والأجانب من خطر الاختطاف.
-
زيادة المساعدات غير القتالية لمالي للمساعدة في التصدي للحصار. (الشكل-3)

الشكل-3 يمثل اللون الأحمر مناطق نشاط الجماعة
وفي إطار المخاوف حول ما يجري في مالي، نشر موقع شيناري إيكونوميشي الإيطالي- Scenari Economici تقريراً مطولاً، محذراً من أن البلاد قد تكون على اعتاب سابقة هي الأولى من نوعها، مع اقتراب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية للقاعدة من السيطرة الفعلية على الدولة.
وأوضح التقرير أن الجماعة باتت تقترب تدريجياً من العاصمة بامكو، ليس عبر هجوم عسكري مباشر، بل من خلال حصار اقتصادي متصاعد يشل الحكومة ويقوّض مؤسساتها، في ما وصفه التقرير بـ”الإستنزاف البطيء” الذي يجعل الحكومة تتهاوى من الداخل دون معارك كبرى.
وأشار الى أن الوقود تحول الى السلاح الأكثر تأثيراً في المعركة، بعدما قطعت الجماعة خطوط الإمداد الواصلة للعاصمة، ما أدى الى نقص حاد في المحروقات وشلل حاد في حركة الجيش والمرافق الحيوية، لتتحول الأزمة من مسألة أمنية الى أزمة بقاء شاملة.
مع امتداد التهديد المستمر لعاصمة دولة مالي ليشمل جميع دول الساحل الافريقي وغرب افريقيا، ستكون ضربة موجعة للمجتمع الدولي وجهود مكافحة الارهاب الدولية إذا ما تمكن تنظيم القاعدة من إسقاط العاصمة بامكو وحكم مالي.





