الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
قطع الأشجار والمسؤولية الجنائية في التشريع العراقي
دراسة تحليلية في البعد القانوني والبيئي

بقلم: الباحثة داليا محمد عبد الواحد
جامعة النهرين
تُعدّ جريمة قطع الأشجار من الجرائم البيئية التي اكتسبت أهمية خاصة في ظلّ التحديات البيئية التي تواجه العراق، ولا سيما التصحر، وتدهور الغطاء النباتي وتفاقم العواصف الترابية إذ إنّ الأشجار والغابات تمثل ثروة وطنية وموردًا بيئيًا بالغ الأهمية، يسهم في استقرار المناخ، فضلًا عن قيمتها الاقتصادية والجمالية ومن ثمّ فإنّ الاعتداء عليها يُعدّ إخلالًا بالنظام البيئي، ويقع ضمن دائرة التجريم والعقاب.
لقد نظم المشرّع العراقي أحكام هذه الجريمة ضمن أكثر من تشريع فقد نصّ قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009 في المادة (33) منه على معاقبة كل من يقوم بقطع الأشجار أو إتلافها أو إحراقها في الأماكن العامة أو المحميات الطبيعية أو الأراضي العائدة للدولة دون إذن من الجهات المختصة، بالحبس أو الغرامة أو كليهما كما نصّ قانون الغابات رقم (30) لسنة 2009 على تجريم قطع الأشجار أو نقلها أو الاتجار بها من دون ترخيص، وعدّ الفعل جريمة يعاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة مالية مناسبة، مع إلزام الجاني بإعادة زراعة الأشجار المتضررة أو تحمل تكاليف استصلاح الموقع المتضرر. ويظهر من خلال هذين القانونين أن المشرّع تبنّى رؤية مزدوجة تجمع بين الردع الجنائي والإصلاح البيئي.
ومن الناحية التحليلية، تتكوّن الجريمة من ركن مادي يتمثل في السلوك المادي المجرَّم كالقطع أو الإتلاف أو الحرق أو التجريف الذي يطال الأشجار أو الغابات، سواء باستخدام وسائل آلية أو يدوية ويُعدّ وقوع الضرر على البيئة أو المال العام نتيجة طبيعية لهذا السلوك. أما الركن المعنوي فيتحقق بعلم الجاني بعدم مشروعية فعله واتجاه إرادته إلى تحقيق غاية غير مشروعة، كتحقيق الربح السريع من بيع الأخشاب أو الاستحواذ على أراضٍ لأغراض تجارية أو زراعية غير مرخصة.
وتنبع الخطورة الجنائية لهذه الجريمة من أثرها البالغ في الإضرار بالمصلحة العامة، إذ يؤدي قطع الأشجار إلى خلل بيئي واسع النطاق، ويُسهم في زيادة نسب الكربون، وتفاقم موجات الغبار والعواصف الترابية التي أصبحت سمة متكررة في العراق كما يشكل انتهاكًا لمبدأ التنمية المستدامة الذي يسعى إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية البيئة.
إنّ السياسة الجنائية البيئية الحديثة لم تعد تقتصر على العقاب، بل اتجهت نحو الوقاية والإصلاح ولذلك، فإن مكافحة جريمة قطع الأشجار تستلزم تكامل الأدوار بين التشريعات الجنائية، والسلطات التنفيذية، والجهات البيئية المختصة. ويُستحسن إنشاء محاكم بيئية متخصصة للنظر في القضايا البيئية، وتشديد العقوبات لتصبح رادعة ومتناسبة مع حجم الضرر، مع تعزيز الوعي البيئي لدى المواطنين وتشجيع المشاركة المجتمعية في حماية الغطاء النباتي.
إنّ حماية الأشجار ليست مجرد التزام قانوني، بل واجب وطني وأخلاقي يعكس وعي المجتمع بمسؤوليته تجاه الأجيال القادمة. فالتجريم الجنائي لقطع الأشجار هو تجريم لكل سلوك يُهدد التوازن البيئي، ويؤكد أن سيادة القانون البيئي تمثل صمام الأمان للحياة الإنسانية على أرض العراق.



