الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
ابحار في عاصفة: فن البقاء في زمن الانقسام العالمي .. دول الخليج انموذجاً

بقلم: الباحثة عُلا عبدالله الوائلي
في عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية وتتعدد فيه جبهات الصراع، لم يعد الحياد مجرد سياسة، بل أصبح ضرورة استراتيجية للبقاء، فبين مطرقة القوى العظمى التي تفرض أجندتها عبر العقوبات والتحالفات، وسندان المصالح الوطنية التي تقتضي الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والأمني، تجد دولٌ نفسها في موقف أشبه بالإبحار في عاصفة لا تُبقي ولا تذر،
هذا المشهد المضطرب يضع قدرة الدول على النجاة في المحك، ويثبت أن البقاء في هذا العصر ليس لمن يملك القوة العسكرية، بل لمن يتقن فن الدبلوماسية والموازنة والدهاء، وفي هذا السياق، تبرز دول الخليج العربي كنموذج سياسي ودبلوماسي فريد. فقد اتخذت من الحياد فنًا للبقاء، عبر إقامة شبكة معقدة من الشراكات الاقتصادية والأمنية مع كافة الأطراف، لضمان مصالحها دون الانجراف إلى أي معسكر.
ويتجلى هذا الفن في عدة جوانب:
الدور المحوري كوسيط: لم تكتفِ دول الخليج بالحياد السلبي، بل تحولت إلى وسيط فاعل في أخطر الصراعات الدولية، ففي الصراع بين روسيا وأوكرانيا، اضطلعت بدور أساسي في جهود تبادل الأسرى، ما يؤكد ثقة الطرفين بها رغم حدة الخلافات، وكذلك في الصراع الفلسطيني-(الإسرائيلي)، بذلت جهودًا دبلوماسية مكثفة من خلال مبادرات لوقف إطلاق النار في غزة، على الرغم من أن الظروف الميدانية لم تسمح بنجاح هذه المساعي بشكل كامل، هذا الدور الدبلوماسي يعزز مكانتها كقوة للسلام والاستقرار.
الحكمة في إدارة الأزمات: في زمن تتسارع فيه الأحداث، تبرز الحكمة في الرد كأحد أهم أركان فن البقاء، ففي حالات التوتر، كان الرد الدبلوماسي المدروس هو الخيار الأفضل لتجنب الانزلاق نحو الدمار، وبينما يميل البعض إلى الرد العسكري المباشر، اختارت هذه الدول أن يكون ردها مؤثراً من خلال قنوات الدبلوماسية، مما يحافظ على علاقاتها ولا يوقعها في فخ تبادل القصف الذي يؤدي إلى الخراب والدمار.
التنويع الاقتصادي والتحالفات الناشئة:
لم يقتصر فن الموازنة على الجانب السياسي فقط، بل امتد إلى الاقتصاد، فقد عملت دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات على تنويع شراكاتها الاقتصادية لتتجاوز الاعتماد على الغرب، ويُعد انضمامهما إلى تكتل “بريكس” خطوة استراتيجية هامة، حيث يعكس رغبتهما في بناء علاقات متوازنة مع القوى العالمية الصاعدة، مثل الصين والهند وروسيا، وهو ما يمنحها مزيدًا من المرونة الاقتصادية ويقلل من تأثير أي ضغوطات مستقبلية.
ثمن الانجرار إلى الصراع
على النقيض من نموذج الموازنة والحكمة، تبرز تجارب أخرى لدول لم تتمكن من الإفلات من قبضة التوترات العالمية، فقد أثبتت الظروف الراهنة أن الانحياز إلى طرف دون الآخر يحمل في طياته دمارًا شاملًا، فالأزمات لم تعد تقتصر على الجانب العسكري المباشر، بل امتدت لتشمل حروبًا اقتصادية تؤدي إلى انهيار العملات وتفشي التضخم، وحروبًا تكنولوجية تضرب الأمن السيبراني وتستهدف البنى التحتية الحيوية، إن الدمار والخراب أصبحا مصير كل دولة لم تتخذ من الحياد والدبلوماسية نافذة للخروج من شبح الصراع، مما يؤكد أن البقاء في هذا العصر هو لمن يتقن فن الموازنة لا لمن يختار الانحياز الأعمى.
تحديات ومخاطر استراتيجية الحياد
رغم نجاح هذه السياسة في تحقيق الاستقرار، إلا أنها ليست خالية من المخاطر، فالموازنة بين القوى العظمى تضع دول الخليج في موقف دقيق وحساس.
من أبرز هذه التحديات: ضغوطات مباشرة وغير مباشرة من القوى الكبرى لاتخاذ مواقف واضحة أو المشاركة في تحالفات معينة، مما يهدد استقلالية قرارها. وكذلك، خطر التنافس الاقتصادي الذي قد ينشأ ويجعل الدول عرضة لتقلبات السوق الدولية، وأيضًا، ضرورة إدارة التوقعات بعناية، فالحياد قد يُفهم من قبل البعض على أنه تردد أو ضعف، مما قد يترتب عليه عواقب غير مرغوبة، هذه التحديات تؤكد أن فن البقاء ليس مجرد سياسة تُتخذ، بل هو عملية مستمرة تتطلب حذرًا ودبلوماسية فائقة لمواجهة عالم تتزايد فيه التوترات.
إن تجربة دول الخليج تثبت أن فن البقاء في هذا العصر المضطرب هو مزيج من الحكمة، والمرونة، والقدرة على رؤية ما وراء صراعات القوى الكبرى، لضمان مستقبل مستقر وآمن، ففي زمن لا يعترف فيه إلا بالانحياز أو الانهيار، يثبت النموذج الخليجي أن البقاء هو مكافأة لمن يتقن هذا الفن النادر.



