الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
السياسة الخارجية لإيران في طور التغير المستمر
ديناميات النقاش الداخلي ومسارات غير متوقعة

بقلم: سينا توسّي
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
في أواخر آب أكد آية الله علي خامنئي المرشد الأعلى لإيران خلال كلمة ألقاها في مناسبة رسمية رفضه أي دعوات لإجراء محادثات مباشرة مع واشنطن واعتبرها “سطحية” واصفًا الصراع مع الولايات المتحدة بأنه “غير قابل للحل”، وصرّح بأن الهدف الحقيقي لأميركا يكمن في جعل الجمهورية الاسلامية في إيران “مطواعة” وهو ما اعتبره استهانة لن يقبلها الشعب الإيراني، مؤكّدًا أن الإيرانيين سيقاومون هذا الطموح “بكامل قوتهم”. ورغم تأثير وخطورة تصريحات خامنئي فإنها تمثل أحد أبعاد السياسة الإيرانية المنقسمة بعد الحرب، فقد تسرعت الفصائل المختلفة في طهران لتقديم بيانات ومقترحات حول سبل التعامل مع الدمار الذي لحق بالبلاد، بما في ذلك آلاف القتلى وتدمير جزء كبير من البنية الدفاعية، وبرنامج نووي تضرر بشدة دون أن يُدمّر بالكامل.
وتحت هذه الضوضاء السياسية يبرز سؤال جوهري: ما الخيار الحقيقي الذي قدّمته واشنطن لإيران سوى الضغط والعداء؟ ومن هذا النقاش الداخلي يظهر نوع من “الأرضية الوسطية” التي تميل إلى دفع الجمهورية الاسلامية في إيران بعيدًا عن أي أمل في التهدئة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتقربها تدريجيًا من تحوّل استراتيجي أعمق نحو الصين.
في هذا السياق السياسي المضطرب برزت جبهة الإصلاح التحالف الرئيسي للأحزاب الإصلاحية الإيرانية كنقطة محورية للنقاش، وتنحدر جذور هذا التحالف من الحركة التي أوصلت محمد خاتمي إلى الرئاسة عام 1997، حيث طالما دافعت عن التغيير الديمقراطي داخليًا وتحسين العلاقات مع الغرب، ورغم سنوات القمع تظل الجبهة مؤثرة فقد دعمت مسعود بيزشيكيان في الانتخابات الرئاسية المفاجئة العام الماضي بعد وفاة الرئيس المحافظ إبراهيم رئيسي في حادث تحطم طائرة هليكوبتر. وفي هذا الإطار أحدث بيان جبهة الإصلاح حول “المصالحة الوطنية” بعد الحرب صدى واسعًا: دعا البيان إلى إطلاق السجناء السياسيين وإصلاح الإعلام الحكومي واستعادة ثقة الجمهور وفي خطوة أكثر إثارة للجدل، تعليق تخصيب اليورانيوم طواعية مقابل رفع العقوبات بالكامل.
وجاء الرد على البيان سريعًا وحادًا، فقد وصفت وسائل الإعلام المتشددة البيان بأنه ساذج و”استسلام” وحتى خيانة، ورأى الصحفي المحافظ البارز عبد الله جانجي أن البيان يمثل “تقاطعًا مشتركًا” مع مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء (الإسرائيلي)** بنيامين نتنياهو في رفض التخصيب، وذهب مهدي محمدي مستشار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى حد اعتباره “خيانة تاريخية” و”تعادلًا مع بيان جيش النظام (الإسرائيلي”)، وقد كان الهدف من هذا الخطاب ليس مجرد المعارضة بل تجريم فكرة التسوية نفسها فيما يخص برنامج تخصيب اليورانيوم. ولم يقتصر النقد على التيار المتشدّد، فقد ابتعدت حكومة بيزشيكيان- رغم خلفية الرئيس الإصلاحية- عن البيان بسرعة كما فعلت أبرز الشخصيات الإصلاحية، وحذر محمد رضا جلاييبور عالم الاجتماع والصوت السياسي الصاعد الذي يشغل منصب نائب في مكتب الشؤون الاستراتيجية للرئيس من أن البيان قلّص خيارات الجمهورية الاسلامية في إيران إلى “الاستسلام أو الحرب” مشيرًا إلى أن الاستسلام الكامل في مسألة التخصيب لن يحمي البلاد من هجمات مستقبلية “بذرائع أخرى”.
لم يكن الرد على بيان جبهة الإصلاح سوى جانب واحد من المشهد السياسي الإيراني المتغير، فبينما تتحرك الشخصيات السياسية عبر طيف واسع من التوجهات تشهد المؤسسات الرسمية إعادة ترتيب عميقة ما يشير إلى إعادة معايرة أوسع للسياسة الإيرانية بعد الحرب، فقد عاد الرئيس السابق حسن روحاني للظهور مجددًا مع انتقاد ضمني للحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور الهيئة غير المنتخبة التي تتحقق من أهليّة المرشحين للسلطة محذرًا “يجب إعادة القوات المسلحة إلى مهامها الجوهرية، الاقتصاد ليس من مسؤولية القوات المسلحة”، ومع ذلك اقترن هذا النداء للإصلاح الداخلي بتوبيخات حادة لواشنطن وأوروبا مؤكدًا أنها أثبتت مرارًا أنها شركاء تفاوض غير موثوقين.
وعلى المستوى المؤسساتي هناك أيضًا تغيرات جارية، فقد تم تعيين علي لاريجاني رئيس البرلمان المعتدل السابق والذي مُنع مرتين من الترشح للرئاسة أمينًا لمجلس الأمن القومي الأعلى أعلى هيئة لصنع القرار في السياسة الخارجية والدفاعية الإيرانية، وضمن هذا المجلس تم إنشاء “مجلس الدفاع” الجديد الأول منذ حرب إيران والعراق (1980-1988) في إشارة إلى أن طهران لا تكتفي بتقييم دروس النزاع السابق بل تستعد أيضًا للمرحلة القادمة.
وتتزامن هذه التحركات مع حالة استثنائية من عدم اليقين بشأن ما تريده واشنطن فعليًا من إيران، فمنذ بداية ولايته الثانية أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب سلسلة من التناقضات دعوات للتفاوض دون خطوط حمراء واضحة ثم انضمام إلى ما وصفه البعض بـ”الحرب (الإسرائيلية) ضد إيران” وإصدار أوامر بالإجلاء من طهران ثم الإشارة إلى خفض التصعيد والمطالبة بـ”استسلام غير مشروط” قبل أن يسعى لاحقًا لوقف إطلاق النار بعد أن تباهى بتدمير البرنامج النووي الإيراني، وفي ظل هذا التقلب لم تجد القيادة الإيرانية سببًا لتغيير موقفها الراسخ على مدى السنوات الماضية.
ولا يزال الخط الرسمي الإيراني ثابتًا إلى حد كبير التأكيد على حق إيران في التخصيب ورفض التفاوض حول القضايا غير النووية، وقد كرّر كبار المسؤولين من وزير الخارجية عباس عراقجي إلى خامنئي نفسه أن طهران لن تقبل أي اتفاق يشترط التخلي الكامل عن التخصيب، ومع ذلك ما زالت هناك لمحات من المرونة حيث أعاد نائب وزير الخارجية مؤخرًا التأكيد على موقف إيران الطويل الأمد بأن طهران “يمكن أن تكون مرنة بشأن قدرات وحدود التخصيب”، لكن كما أشار لاريجاني في منشور له على منصة X بتاريخ 2 ايلول بينما الطريق أمام المفاوضات مع الولايات المتحدة ليس مغلقًا فإن مطالب مثل قيود الصواريخ “تلغي أي إمكانية للتفاوض”.
وبالرغم من كل ذلك لا توجد أي مؤشرات على سعي إيران السريع لامتلاك سلاح نووي، بل أصبح برنامجها النووي متعمدًا في غموضه دون إشراف دولي على المنشآت المتضررة أو الاطلاع على مخزوناتها من اليورانيوم والطرد المركزي، ويعتبر المحللون الإيرانيون هذا الغموض عنصر قوة استراتيجي يعزز الردع دون تجاوز العتبة النووية.
أما التحوّل الأكثر وضوحًا فيتمثل في التوجه الاستراتيجي طويل الأمد لإيران، فرغم تمسكها بخطوطها الحمراء بشأن التخصيب والصواريخ تميل طهران الآن بشكل أكثر حسمًا نحو القوى غير الغربية وعلى رأسها الصين مع اعتماد هذه الشراكة كركيزة أساسية لمسارها بعد الحرب، وعلى عكس الكثير من التحليلات الغربية لم تحتضن إيران الصين بشكل كامل حتى بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، وقد لاحظت صحيفة “فرهيختگان” المحافظة مؤخرًا أن طهران اعتبرت بكين دائمًا خيارًا احتياطيًا متخلية عن المبادرات الكبرى كلما ظهرت فرص عابرة مع الغرب بما في ذلك عرض الاستثمار البالغ 40 مليار دولار الذي قدمه شي جينبينغ عام 2016 دون أن يسفر عن نتائج ملموسة في حين ظل “خارطة طريق التعاون لمدة 25 عامًا” رمزيًا إلى حد كبير لافتقار إيران للمبادرة.
وفي فترة قصيرة من تخفيف العقوبات بعد الاتفاق النووي عام 2015، منحت طهران عقودًا مربحة للشركات الغربية مثل توتال وإيرباص وبوينغ متجاوزة الشركات الصينية، كما أقر حسين قاهري رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية-الصينية قائلاً “لقد تخلينا عن الصين مرارًا وتكرارًا من أجل مكاسب قصيرة المدى وقد صرح الصينيون مرارًا بعدم وجود ثقة استراتيجية تجاه إيران”.
وقد أجبرت نتائج الحرب وعودة عقوبات الأمم المتحدة طهران على إعادة التفكير في نهجها إذا أرادت جذب استثمارات صينية في البنية التحتية والدفاع عليها أن تتصرف كشريك طويل الأمد موثوق، لا مجرد اللجوء إلى بكين في أوقات الأزمات، وحتى العديد من الإصلاحيين باتوا يشاركون هذا الرأي فقد أكد جلاييبور بينما يضغط من أجل إصلاحات ديمقراطية أوسع داخليًا، أن إيران يجب أن تظهر الثبات والموثوقية إذا كانت تتوقع استثمارات صينية كبيرة. وشكّل هذا التوجه محور قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين الصين التي قدّمت أقوى مؤشر حتى الآن على التحول الحاسم نحو بكين، بالنسبة لطهران كان التوقيت حاسمًا فبينما كانت لا تزال تتعافى من الحرب التي استمرت 12 يومًا وتواجه إعادة فرض العقوبات، حصلت على غطاء دبلوماسي نادر مع إدانة قادة منظمة شنغهاي للضربات الأميركية-(الإسرائيلية)، في الوقت نفسه شارك عراقجي مع نظرائه الروس والصينيين في رسالة مشتركة للأمم المتحدة رفضًا لإعادة العقوبات معتبرًا إياها بلا أساس قانوني وذات آثار سياسية مدمرة.
كما استغل بيزشيكيان القمة للتوافق العلني مع أجندة بكين مؤيدًا دعوات إصلاح الحوكمة العالمية ونزع الهيمنة عن الدولار وآليات جديدة للاستجابة للأزمات مع إبراز ميناء تشابهار الإيراني كعنصر محوري لربط الصين بآسيا الوسطى وما بعدها، ومن جانبها أكدت بكين احترام حقوق إيران النووية وسيادتها وكرامتها واتفق الطرفان على “التنفيذ الأقصى” للاتفاقية المتعثرة منذ 25 عامًا، وكانت أبلغ الإشارات الرمزية من بكين دعوة إيران دون الولايات المتحدة أو معظم أوروبا أو (إسرائيل) أو بعض دول الخليج لحضور عرض عسكري بمناسبة “يوم النصر” للحرب العالمية الثانية في إشارة واضحة إلى موقع طهران في النظام متعدد الأقطاب الذي تتصوره بكين، كما وصف عراقجي زيارة الرئيس الإيراني للصين بأنها “واحدة من أهم الزيارات في تاريخنا”.
وفي هذا السياق حملت تصريحات خامنئي في آب أيضًا دعمًا ملحوظًا لبيزشيكيان حيث حث الإيرانيين على”دعم خدام البلاد ودعم الرئيس” واصفًا إياه بأنه مجتهد ومثابر ومخلص، وتهدف هذه الرسالة بعد الحرب إلى إظهار الإجماع على أعلى مستويات القيادة، بالنسبة لواشنطن وأوروبا تمثل هذه التطورات نقطة انعطاف فالمضي قدمًا في نهج الضغط والصراع قد يدفع إيران أكثر نحو دائرة النفوذ الصيني ويعمّق تحديها النووي فيما يظل البديل اختبار إمكانية تقديم حوافز جدية لجذب طهران نحو مسار أكثر توازنًا وخلق مساحة للتواصل المتجدد.
* Sina Toossi, Iran’s Foreign Policy Is Changing in Real Time The debate in Tehran is heating up—and moving in unexpected directions, FOREIGN POLICY, September 11, 2025.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



