الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
المواجهة الهندية الباكستانية.. توازن جديد في نزاع مزمن

بقلم: د. عبد القادر دندن / الجزائر
مراجعة م. د هناء رحيم زيدان
كلية العلوم السياسية جامعة النهرين
يعد الصراع الهندي- الباكستاني واحدا من أكثر النزاعات المزمنة والمعقدة في جنوب آسيا بل وعلى مستوى العالم ككل، لأنه يعكس عمق التعقيدات التاريخية والدينية والحضارية والسياسية بين الدولتين وفي المنطقة، ويمثل إقليم كشمير بؤرته المركزية منذ التقسيم البريطاني عام 1947. وعلى الرغم من محاولات التهدئة، فإن طبيعة هذا النزاع قد شهدت تحولات استراتيجية ملحوظة خلال العقد الأخير، فالصراع بينهما في حالة تصعيد مستمر بين فترة وأخرى، إذ لم يعد مجرد خلاف حدودي تقليدي، بل تحول إلى نموذج كلاسيكي للنزاعات طويلة الأمد التي تتجاوز العوامل جغرافية، فبروز الهند كفوة اقتصادية وتكنولوجية صاعدة، وتزايد أهمية باكستان في استراتيجيات الأمن الإقليمي والدولي، منح الصراع أبعادً أخرى أكثر تعقيدا وحدة، كسباق التسلح والأمن الإقليمي والنزاعات المائية والايدولوجية والتحالفات الخارجية المتباينة. ولعل ما خلفته المواجهة الأخيرة بين الجانبين في ايار 2025، خير دليل على ما وصل إليه هذا النزاع من تعقيد وخطورة.
وقد تضمنت الدراسة فضلاً عن المقدمة والخاتمة ثلاثة محاور رئيسة تتعلق بخلفيات وسياق المواجهة، ومجرياتها، وانعكاساتها. تميزت المقدمة التي استهلها الباحث باقتباس من قصيدة الحصار للشاعر الكشميري عمر بهات، وهو ما منح القارئ مدخلا شعوريا غير معتاد في مثل هذا النوع من الكتابات الأكاديمية إلى المأساة الكشميرية، ومنح بذلك للموضوع بعدا وجدانيا، باعتماده على صورة شعرية مؤثرة في افتتاحية المقال، تضع المأساة الكشميرية في خانة القضية الإنسانية قبل أن تكون سياسية أو استراتيجية، فوصف الشاعر لكشمير بأنها تحترق من جديد، وتواجه أمواجا تتسعر من اللهب، عكس ماضي وحاضر بل وحتى مستقبل المنطقة التي لا يبدو أنها تتجه نحو السلام، ولذلك وفق الباحث بشكل كبير في اعتماد هذا الأسلوب المعمق، القائم على الربط بين الأدب والسياسة.
أوضحت المواجهة بين الهند وباكستان أن الصين حليف موثوق فيه بالنسبة لإسلام آباد، مما سيعزز الحضور الصيني هناك وفي جنوب آسيا عموما وربما لدى دول وقوى أخرى.
وأشارت المقدمة أيضا، إلى البعد التاريخي للأزمة التي تعد من الموروثات القبيحة للاستعمار البريطاني لشبه القارة الهندية، وهذا أمر مهم جدا لفهم عمق النزاع الهندي- الباكستاني من جذوره، فقد أنتج هذا التقسيم تأسيس دولتين مستقلتين على أساس ديني (الهند وباكستان)، وترك منطقة كشمير ذات الأغلبية المسلمة تحت السيطرة الهندية مما شكل بداية للنزاع المزمن بين الجانبين. وصولا إلى الأزمة الأحدث في تاريخ هذا الصراع، والتي تتمحور حولها هذه الورقة التحليلية، التي انطلقت من استهداف سياح هنود 22 نيسان 2025 في كشمير الهندية، والتي انطوت على خصوصية متفردة واختلاف جوهري عن المواجهات السابقة، هذه المواجهة التي دفعت الباحث إلى طرح العديد من الاسئلة البحثية المحورية، والمتعلقة بالسياقات التاريخية القريبة التي أدت إلى هذه المواجهة (مجموعة من الخلفيات التراكمية منذ العام 2014)، ورصد المميزات المتفردة لهذه المواجهة مقارنة بما سبقها، وصولا على التداعيات التي خلفتها هذه المواجهة إقليميا ودوليا.
لم يقف الباحث في تحليله لأسباب وخلفيات اندلاع أزمة نيسان 2025 بين الهند وباكستان عند واقعة الهجوم على السياح الهنود في منطقة باهالغام فحسب، بل أكد أن تلك الحادثة ما هي إلى الجزء الصغير البارز من جبل جليد هذا الصراع الذي تتوارى خلفياته الدفينة في عمق محيط مضطرب من العداء والأحداث المؤثرة في علاقات الجانبين.
لذلك يذهب الكاتب إلى محاولة سبر أغوار هذه المواجهة من خلال طرح سؤال جوهري، هل الهجوم في باهالغام هو سبب الحقيقي للمواجهة المتجددة، أم أنه نتاج لاحتقان تراكمي عبر سنوات وعقود؟، وانطلقت الإجابة عن هذا السؤال من تأكيد الباحث على أن الفهم الحقيقي لما وقع، يمكن تفسيره بالرجوع إلى فهم التحولات العميقة في الداخل الهندي منذ عام 2014، بصعود رئيس الوزراء ناريندرا مودي، من الحزب القومي الهندوسي اليميني والمتطرف (بهاراتيا جاناتا بارتي)، وما تبع ذلك من تصاعد لمد القومية الهندوسية، بتبنيه لأجندة تهدف إلى إعلاء شان الهندوس وفرض القيم الهندوسية، بمقابل تقليص دور المسلمين سياسيا واجتماعيا. وتجلى ذلك في صدور العديد من القرارات والتشريعات التمييزية ضد المسلمين، التي زادت من احتقان وتدهور العلاقات مع مسلمي الهند وكشمير، فقد صدر قانون الجنسية لعام 2019 الذي يستثنى المسلمين من منح الجنسية للاجئين الدينين، والغاء المادة 370 من الدستور التي تمنح جامو كشمير وضعا خاصا، ما يمثل انقلابا قانونيا على طبيعة كشمير ذات الخصوصية الإسلامية، وكذلك قانون الوقف الجديد 2025، الذي يمنح الحكومة الهندية حق التدخل في ممتلكات الوقف الإسلامية التي تعد قيمتها بمليارات الدولارات في الهند. ويبرع الباحث في الربط بين هذه الأحداث والخلفيات وبين ما الهجوم الذي شهدته منطقة باهالغام وجعلت منه الهند ذريعة لشن هجومها على باكستان، إذ يمكن فهم ذلك الهجوم على أنه رد فعل على سياسات استهداف المسلمين في الهند عموما وكشمير بشكل خاص.

لينتقل الباحث في المحور الثاني، إلى وضع قراءة رصدية وتحليلية للإجراءات والإجراءات المضادة المتخذة من كل جانب (عسكرية وغير عسكرية)، ووقائع المواجهة العسكرية المتفردة وغير المسبوقة في تاريخ الصراع بين الجانبين.
فناهيك عن الإجراءات غير العسكرية المعتادة تقريبا، والتي كان يتخذها كل طرف عند نشوب أي مواجهة بينهما، مثل طرد مواطني كل بلد المقيمين في البلد الآخر، وغلق المعبر الحدودي الرئيس بينهما، وتقليص التمثيل الدبلوماسي إلى أدنى درجاته، وتعطيل المبادلات والتعاملات التجارية والاقتصادية، وإيقاف الرحلات الجوية بين البلدين. تميزت هذه المواجهة باتخاذ إجراءات غير عسكرية خطيرة وغير مسبوقة، أهمها على الإطلاق بالنسبة للكاتب استخدام السلام المائي من جهة أولى، ففي 23 أيار 2025، أقدمت الهند على تعليق العمل باتفاقية تقاسم المياه نهر السند الموقعة عام 1960، لتنظيم توزيع المياه إلى البلدين وهو أمر غير مسبوق في الحروب السابقة بينهما، وعد الكاتب استخدام هذا السلاح المغاير واحدة من الإجراءات المستجدة، وكانت الهند قد لوحت سابقا باستعمال هذا السلاح، عندما هدد رئيس وزرائها مودي بذلك عام 2016، على إثر هجوم مسلح خلف قتلى في صفوف الجنود الهنود في كشمير، عندما قال (لا يمكن للدم والماء أن يتدفق معا)، مع ما لمثل هذه الخطوة من انعكاسات ترقى حتى إلى الجانب الوجودي بالنسبة لباكستان التي تعد فقيرة مائيا، وتعتمد في تلبية الحاجيات المائية لمواطنيها وزراعتها وصناعتها على الأنهار التي تسيطر عليها الهند. لذلك لم تقف إسلام أباد مكتوفة الأيدي وردت بإجراء آخر غير مسبوق ولا يقل خطورة، وهو تعلق العمل باتفاقية شيملا الموقعة 1972 بين الجانبين، وهي الإجراءات التي شكلت مظهرا من مظاهر تفرد هذه الأزمة الأخيرة وخطورتها.
أما فيما يتعلق بالإجراءات العسكرية، فقد فصل الباحث في مجريات المواجهة المسلحة بين الجانبين، والتي وإن كانت المبادرة فيها لصالح الهند، التي شنت غارات جوية وقصف مدفعي على مواقع عسكرية هندية ومست حتى بعض المدنيين والمواقع المدنية. إلا أن المميز في كل ذلك، كان مجريات المعركة الجوية التاريخية التي خاضها سلاح جو العدوين اللدودين في فجر الثامن مايو، والتي عدها الخبراء أطول معركة جوية في التاريخ باستمرارها لأكثر من ساعة، والأهم من ذلك هو القدرة القتالية العالية التي أبدتها الطائرات الباكستانية، التي تمكنت من إسقاط خمس طائرات هندية، ثلاثًا منها رافال فرنسية الصنع، وطائرتين روسيتي الصنع ميج-29 وسو-30، ناهيك عن عدد من المسيرات (إسرائيلية) الصنع لاحقا، وهو ما مثل مفاجأة غير متوقعة حتى للخبراء العسكريين، والتي بينت تفوقا ميدانيا تاريخيا وغير مسبوق للأسلحة الصينية (مثل الطائرات المقاتلة J-10C، والصاروخ الصيني PL-15E)، التي اعتمدتها باكستان على حساب المعدات العسكرية الغربية للهند (الفرنسية و”الإسرائيلية” على وجه الخصوص).
ليأتي الدور على تقييم المواجهة وانعكاساتها الإقليمية والدولية من خلال المحور الثالث، الذي قدم فيه الباحث بدقة وسلاسة أهم التداعيات لتلك المواجهة التاريخية، والتي أسفرت لأول مرة عن تفوق ولو نسبي للجيش الباكستاني على حساب نظيره الهندي ولا سيما في جانب سلاح الطيران، وبراعة الطيارين الباكستانيين في قيادة المعركة الجوية والتحكم فيها والخروج بصفر أضرار على مستوى الأسطول الجوي، بمقابل توجيه ضربة قوية لسلاح الجو الهندي الذي سجل أكبر خسائره في تاريخ مواجهاته مع باكستان. وبين هذه المواجهة صواب الرهان الباكستاني على الحليف الصيني وعلى الأسلحة الصينية، التي كانت صاحبة الفضل في منح إسلام أباد ذلك التفوق التاريخي، الذي لم تكن لتحلم به لولا دقة وكفاءة الطائرات والصواريخ الصينية، وهو ما أعطى مكانة متنامية لصناعة الأسلحة في الصين على حساب نظيراتها الغربية. كما أوضحت هذه المواجهة أن الصين حليف موثوق فيه بالنسبة لباكستان، مما سيعزز الحضور الصيني هناك وفي جنوب آسيا عموما وربما لدى دول وقوى أخرى.
وما يثير المخاوف من هذه المواجهة، أنه ورغم انتهائها إلا أنها سنت سننا غير حميدة لأول مرة في تاريخ الصراع بين الجانبين، من خلال لجوئهما لأول مرة إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة وكان يمكن أن تؤزم الصراع أكثر، مثل استخدام سلاح المياه من طرف الهند (تجميد العمل باتفاقية السند)، وتجميد باكستان العمل باتفاقية شيملا. مع ما سينجم عن هذه المواجهة من زيادة في الإنفاق العسكري لدى الجانبين، حيث سيسعى كل منهما لسد ما لاحظه من ثغرات تسليحية وتكتيكية واستراتيجية، وهو ما يهدد الاستقرار والوضع الأمني الهش بالأساس في شبه القارة الهندية.
ليخلص الكاتب في نهاية مقاله، إلى التحذير من أن هذه المواجهة تنذر بأخطار كبيرة ومحدقة بأمن واستقرار جنوب آسيا والامن الإقليمي والعالمي ككل، وانه على الجانبين وعلى المجتمع الدولي ككل التفكير من الآن في تفادي صدام مستقبلي في شبه القارة الهندية، لأنه من المرجح أن يكون أوسع وأكثر تأثيرا من مواجهة أيار 2025، في ظل بيئة أمنية هشة، ونزاع مزمن تتداخل فيه عوامل تاريخية وسياسية واستراتيجية ودينية، تجعله من بين أكثر النزاعات تعقيدا على خريطة الصراعات العالمية. وهي الخلاصة المركزة التي تبين مدى عمق التحليل الوارد في هذا المقال، الذي نجح في تقديم قراءة واقعية ومستفيضة للمواجهة الأخيرة بين الهند وباكستان، وربطها بأبعادها وخلفياتها المتشابكة والضاربة بجذورها في التاريخ العدائي العضال بين الجانبين.
ليأتي الدور على تقييم المواجهة وانعكاساتها الإقليمية والدولية من خلال المحور الثالث، الذي قدم فيه الباحث بدقة وسلاسة أهم التداعيات لتلك المواجهة التاريخية، والتي أسفرت لأول مرة عن تفوق ولو نسبي للجيش الباكستاني على حساب نظيره الهندي ولا سيما في جانب سلاح الطيران، وبراعة الطيارين الباكستانيين في قيادة المعركة الجوية والتحكم فيها والخروج بصفر أضرار على مستوى الأسطول الجوي، بمقابل توجيه ضربة قوية لسلاح الجو الهندي الذي سجل أكبر خسائره في تاريخ مواجهاته مع باكستان. وبين هذه المواجهة صواب الرهان الباكستاني على الحليف الصيني وعلى الأسلحة الصينية، التي كانت صاحبة الفضل في منح إسلام أباد ذلك التفوق التاريخي، الذي لم تكن لتحلم به لولا دقة وكفاءة الطائرات والصواريخ الصينية، وهو ما أعطى مكانة متنامية لصناعة الأسلحة في الصين على حساب نظيراتها الغربية. كما أوضحت هذه المواجهة أن الصين حليف موثوق فيه بالنسبة لباكستان، مما سيعزز الحضور الصيني هناك وفي جنوب آسيا عموما وربما لدى دول وقوى أخرى.
وما يثير المخاوف من هذه المواجهة، أنه ورغم انتهائها إلا أنها سنت سننا غير حميدة لأول مرة في تاريخ الصراع بين الجانبين، من خلال لجوئهما لأول مرة إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة وكان يمكن أن تؤزم الصراع أكثر، مثل استخدام سلاح المياه من طرف الهند (تجميد العمل باتفاقية السند)، وتجميد باكستان العمل باتفاقية شيملا. مع ما سينجم عن هذه المواجهة من زيادة في الإنفاق العسكري لدى الجانبين، حيث سيسعى كل منهما لسد ما لاحظه من ثغرات تسليحية وتكتيكية واستراتيجية، وهو ما يهدد الاستقرار والوضع الأمني الهش بالأساس في شبه القارة الهندية.
ليخلص الكاتب في نهاية مقاله، إلى التحذير من أن هذه المواجهة تنذر بأخطار كبيرة ومحدقة بأمن واستقرار جنوب آسيا والامن الإقليمي والعالمي ككل، وانه على الجانبين وعلى المجتمع الدولي ككل التفكير من الآن في تفادي صدام مستقبلي في شبه القارة الهندية، لأنه من المرجح أن يكون أوسع وأكثر تأثيرا من مواجهة أيار 2025، في ظل بيئة أمنية هشة، ونزاع مزمن تتداخل فيه عوامل تاريخية وسياسية واستراتيجية ودينية، تجعله من بين أكثر النزاعات تعقيدا على خريطة الصراعات العالمية. وهي الخلاصة المركزة التي تبين مدى عمق التحليل الوارد في هذا المقال، الذي نجح في تقديم قراءة واقعية ومستفيضة للمواجهة الأخيرة بين الهند وباكستان، وربطها بأبعادها وخلفياتها المتشابكة والضاربة بجذورها في التاريخ العدائي العضال بين الجانبين.



