الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
نحو أزمة كهرباء وشيكة .. ما المطلوب من الولايات المتحدة لمواجهة الطفرة في الاستهلاك؟

بقلم: براين ديس وليزا هانسمان
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
تواجه الولايات المتحدة أزمة طاقة غير مسبوقة من حيث الحجم والتأثير، فبعد ما يقرب من عقدين من الاستقرار في معدلات الاستهلاك يشهد الطلب على الكهرباء اليوم أسرع نمو له منذ الحرب العالمية الثانية، ويعود ذلك إلى اعتماد الاقتصاد الأميركي المتزايد على الكهرباء في تدفئة وتبريد المنازل وتشغيل الشركات والمصانع إضافة إلى تشغيل السيارات والشاحنات والحافلات. كما تستهلك المنشآت الصناعية الجديدة مثل مصانع أشباه الموصلات ومراكز البيانات التي تشكّل الركيزة الأساسية لطموحات البلاد في مجال الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة الكهربائية، ووفقاً لتقديرات “مؤسسة شمال أميركا للاعتمادية الكهربائية” (NERC) وهي الهيئة المستقلة المكلفة بمراقبة موثوقية الشبكة، فإن الطلب الأقصى على الكهرباء في الولايات المتحدة سيرتفع خلال العقد المقبل بنسبة 18% مقارنة بالمستوى الحالي، أي ما يعادل تقريباً إضافة الاستهلاك الكامل الحالي لولايات كاليفورنيا ونيويورك وتكساس مجتمعة.
هذا الارتفاع في الطلب ليس مشكلة بحد ذاته بل يعكس التقدم التكنولوجي الذي تحققه عملية “الكهربة الشاملة”، غير أن هذا النمو بدأ بالفعل يرفع أسعار الكهرباء ويدفع بالشبكة إلى حدود قدرتها الاستيعابية، ومن دون تحرك عاجل سيدفع المستهلكون كلفة أعلى وتصبح الشركات أقل قدرة على المنافسة كما ستخاطر البلاد بخسارة ريادتها في مجال الابتكار التكنولوجي والصناعات المتقدمة. وعلى الرغم من حاجة الولايات المتحدة إلى بناء محطات طاقة جديدة الا أن هذه المحطات وحدها لن تكفي لإنتاج كميات الكهرباء اللازمة لمجاراة هذا الطلب المتصاعد بسرعة، بيد أن هناك حلاً آخر متاحاً وفعالاً يتمثل في استغلال القدرات الكامنة في البنية التحتية القائمة للطاقة، إذ تشير البيانات إلى أن نحو نصف هذه البنية يبقى غير مستخدم في أي وقت معين لأن النظام الأميركي صُمّم ليتحمل ذروة الاستهلاك في أوقات استثنائية من البرد أو الحر الشديد بدلاً من أن يوفّر الكهرباء للمستهلكين بأرخص وأكفأ صورة ممكنة، ونتيجة لذلك يعاني النظام من مستويات عالية من الهدر وفقدان الإمكانات.
التقنيات اللازمة لاستخلاص المزيد من هذه الإمكانات متوافرة بالفعل البطاريات قادرة على تخزين الفائض من الكهرباء وأجهزة الاستشعار ترفع من كفاءة نقل الطاقة عبر الشبكات فيما تسمح البرمجيات بدمج مصادر الطاقة الموزعة في المنازل والمباني لتعمل بشكل منسق أشبه بمحطات طاقة مصغّرة، لذلك يتعيّن على شركات المرافق ومزودي الطاقة ومشغلي الشبكات أن يعيدوا توجيه تركيزهم من مجرد تعظيم الإنتاج إلى تحسين الكفاءة وخفض التكاليف وتعزيز الموثوقية لصالح المستهلكين، وفي ظل ارتفاع الأسعار وضغوط الاقتصاد الكلي فإن صانعي السياسات والجهات الفاعلة في قطاع الطاقة مطالبون بانتهاز هذه اللحظة السياسية عبر تبني إصلاحات عملية وبسيطة في أسواق الكهرباء والمرافق بما يحقق الفائدة للمستهلكين الأفراد وللاقتصاد الوطني على حد سواء.
تحت ضغط أزمة متصاعدة
تمتعت الولايات المتحدة لعقود بميزة نسبية في قطاع الطاقة إذ ظلّت أسعار الكهرباء للمستهلكين الصناعيين أقل بنحو النصف مقارنة بنظرائهم الأوروبيين فيما استفادت الأسر والشركات من وفرة الموارد الطاقوية المحلية، غير أنّ الارتفاع غير المسبوق في الطلب على الكهرباء أخذ يُحدث تحوّلاً جذرياً في المشهد الطاقوي الأميركي حيث تشهد الأسعار قفزات سريعة ففي عام 2025 ارتفعت أسعار الكهرباء بالتجزئة بما يقارب ضعف معدل التضخم العام، وخلال النصف الأول من العام نفسه تقدّمت شركات المرافق بطلبات أو حصلت على موافقات لزيادات في الرسوم بلغت رقماً قياسياً وصل إلى 29 مليار دولار ما ينذر بأعباء إضافية على المستهلكين في السنوات المقبلة. وفي هذا السياق أعلنت شركة PJM المشغّل الإقليمي للشبكة الذي يغطي نحو 67 مليون نسمة من ميشيغن إلى فرجينيا أن فواتير الكهرباء سترتفع بين 20 و30% خلال العام القادم، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ثلثي الأميركيين يعدّون فواتير الكهرباء مصدراً لضغط مالي مباشر، وفي موازاة ذلك تتراجع موثوقية الشبكة الكهربائية الأميركية إذ تفشل الأسواق في توفير احتياطيات كافية لمواجهة ذُرى الطلب خلال فترات الحرّ الشديد أو البرد القارس، وتشير التقديرات إلى أن تسعة من أصل 13 سوقاً كهربائياً في الولايات المتحدة ستنخفض هذا العام عن مستوى “العتبة الحرجة للموثوقية” وهو الحد الأدنى المطلوب لضمان تفادي الانقطاعات الواسعة.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أضافت ما يقارب 50 غيغاواط من القدرة الإنتاجية الجديدة في عام 2024 وهو أعلى معدل منذ أكثر من عقدين إلا أنّ هذا الإنجاز يظلّ قاصراً عن مواكبة الطلب المتسارع.
إن اجتماع عاملَي ارتفاع الأسعار وتراجع الموثوقية يشكّل تهديداً مزدوجاً للأمن القومي الأميركي ولقدرة الاقتصاد على المنافسة في القطاعات التكنولوجية المتقدمة، فالاقتصاد العالمي يدخل مرحلة يُتوقّع أن تقوده صناعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي وتقنيات الطاقة المبتكرة وأشباه الموصلات المتقدمة، وامتلاك شبكة كهربائية مستقرة وموثوقة يعدّ شرطاً ضرورياً للريادة في هذه المجالات، في المقابل تعمل الصين – المنافس الأبرز للولايات المتحدة – على تعزيز بنيتها التحتية الطاقوية ضمن خطة طويلة الأمد تهدف إلى توسيع الاعتماد على الكهرباء في اقتصادها. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أضافت ما يقارب 50 غيغاواط من القدرة الإنتاجية الجديدة في عام 2024 وهو أعلى معدل منذ أكثر من عقدين إلا أنّ هذا الإنجاز يظلّ قاصراً عن مواكبة الطلب المتسارع، إذ تواجه مشاريع الطاقة الجديدة معوّقات عدة من بينها اختناقات سلاسل التوريد والتعقيدات التنظيمية فالمحطات العاملة بالغاز الطبيعي مؤجلة إلى ثلاثينيات القرن الحالي بسبب تراكم طلبات التوربينات في حين يستغرق إنشاء مفاعلات نووية جديدة أكثر من عقد من الزمن، أما مصادر الطاقة المتجددة فرغم سرعتها وانخفاض تكلفتها فإن الحصول على التراخيص لمشاريعها الكبرى أو شبكات نقلها يتطلب سنوات طويلة، كما ارتفع حجم طلبات الربط بالشبكة إلى نحو 2600 غيغاواط أي ما يعادل ضعف حجم الشبكة الحالية، وإلى جانب ذلك أدى التشريع الفيدرالي الأخير – المعروف إعلامياً بـ”مشروع القانون الكبير والجميل” – إلى تقليص الحوافز المالية المخصصة لمصادر الطاقة المتجددة ما رفع من تكاليف الاستثمار في هذا القطاع.
من الكم إلى الكفاءة
يُظهر الواقع أن الولايات المتحدة قادرة على تلبية الطلب المتنامي من دون الحاجة إلى قفزات تكنولوجية خارقة أو استثمارات هائلة بل عبر تحسين كفاءة استغلال البنية التحتية القائمة، إذ يمكن لزيادة متواضعة بمقدار خمس نقاط مئوية في معدل استخدام الشبكة أن تضيف ما يعادل إنتاج 60 محطة جديدة تعمل بالغاز الطبيعي. ومع أن هذا الخيار يبدو بديهياً فإنه يتعارض مع منطق تصميم النظام الكهربائي طوال القرن العشرين حيث كان التركيز منصبّاً على التوسع في بناء محطات جديدة بدلاً من رفع كفاءة الاستغلال، وقد كرّس هذا المنهج نموذجاً تنظيمياً يكافئ شركات المرافق على حجم استثماراتها الرأسمالية أكثر مما يكافئها على الأداء والفاعلية، كما تبنّى مطورو الطاقة خلال العقدين الماضيين مقاربة “التركيب ثم الإهمال”، عبر الاستثمار في البنية الأساسية مع إغفال كلفة الصيانة والتشغيل المستمر.
وأسفر ذلك عن نظام طاقوي مُستغل بشكل ناقص ومتراجع الأداء إذ تُظهر بيانات الاحتياطي الفيدرالي أن معدل استخدام قدرات التوليد انخفض بنحو عشر نقاط مئوية في المتوسط خلال العقد الماضي فيما ارتفعت معدلات الانقطاعات الكهربائية بنسبة 60% بين عامي 2013 و2023.
الدرس من تكساس
تتراجع كفاءة النظام الكهربائي الأميركي لأن شركات المرافق والطاقة لا تُكافأ على تحسين أداء البنية التحتية القائمة أو تبني التقنيات الحديثة التي يمكن أن تجعل النظم القديمة متقادمة، بل إن الحوافز القائمة تدفعها للتركيز على بناء محطات جديدة وتحقيق الأرباح من خلالها بدلاً من البحث عن حلول أكثر كفاءة وأقل تكلفة، غير أنّ تعديل آليات الحوافز وإزالة العوائق التنظيمية يمكن أن يغير المعادلة وهو ما تظهره تجربة تكساس بوضوح. منذ عام 2021 ارتفع الطلب على الكهرباء في تكساس بنحو 20% نتيجة النمو السكاني القياسي وتوسع الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة وإنشاء مراكز بيانات جديدة، وتشير التقديرات إلى أن الطلب الأقصى في الولاية قد يتضاعف بحلول نهاية العقد، ورغم ذلك لم تواجه تكساس أزمة طاقة بل على العكس انخفضت الأسعار وازدادت موثوقية الشبكة، ويعود ذلك إلى تبنّي الولاية مقاربة شاملة تقوم على الإسراع بربط المحطات الجديدة بالشبكة وتوسيع سعة البطاريات لتخزين الكهرباء النظيفة والرخيصة وإعادة ضخها عند ذروة الطلب، إضافة إلى إلزام المستهلكين الكبار بالتشغيل المرن عند الارتباط بالشبكة، ووفقاً للتقديرات ستكون تكساس صاحبة أدنى أسعار الكهرباء بالجملة في الولايات المتحدة عام 2025 كما لم تشهد أي انقطاعات واسعة خلال صيف هذا العام.
يعتمد مشغل شبكة الكهرباء في تكساس (ERCOT) نموذج “الربط والإدارة” بدلاً من تأخير ربط المحطات الجديدة لسنوات، إذ يجري ربط المحطات مباشرة بينما تتم إدارة الازدحام عبر التشغيل الفوري وبهذا تستوعب تكساس مصادر الطاقة الجديدة بوتيرة أسرع من أي منطقة أخرى في الولايات المتحدة حيث عالجت طلبات الربط بسرعة تقارب ضعف نظيراتها، وبين عامي 2021 و2023 أضافت الولاية ما لا يقل عن 70% من القدرة الجديدة مقارنة بأي سوق آخر معظمها من مصادر طاقة نظيفة ومنخفضة الكلفة بما يعادل 40 غيغاواط تكفي لتغطية احتياجات ولاية نيويورك كاملة، كما أصبحت تكساس السوق الأسرع نمواً لتخزين الطاقة ففي عام 2023 وحده أضافت سعة بطارية أكبر من كاليفورنيا تكفي لتزويد نحو ثلاثة ملايين منزل ليصل إجمالي السعة التخزينية لديها إلى أكثر من 12 غيغاواط.
إدراك تكساس أنّ تغيير توقيت الاستهلاك يمكن أن يكون فعالاً بقدر إضافة قدرة جديدة دفعها هذا العام إلى إقرار قانون ثنائي الحزب (المعروف بمشروع القانون رقم 6) يسمح لمشغل الشبكة بتشجيع – أو إلزام – مراكز البيانات والمستهلكين الكبار على تحويل استهلاكهم في فترات الذروة، ومن شأن هذا الإجراء تحرير ما يصل إلى 15 غيغاواط من القدرة، أي ما يقارب إجمالي الطلب في مدينة هيوستن، وعلى المستوى الوطني تُظهر التقديرات أن قيام المستهلكين كثيفي الطاقة بتغيير توقيت استهلاكهم بنسبة لا تتجاوز ربع في المئة من الوقت يمكن أن يرفع القدرة الفعلية للولايات المتحدة بنحو 10% من دون الحاجة إلى بناء بنية تحتية جديدة.
إن تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء يستلزم توسيع شبكات النقل والتوزيع التي تنقل الطاقة من مواقع إنتاجها إلى مناطق الاستهلاك، غير أنّ مشاريع إنشاء خطوط النقل تشهد حالة من الجمود،..
إمكانات موزعة داخل المنازل
إلى جانب تجربة تكساس يكمن حل آخر في الاستفادة من الأنظمة الطاقوية الموجودة أصلاً في المنازل والشركات، فالمولدات والألواح الشمسية والبطاريات وأنظمة التدفئة والتبريد المنتشرة يمكن عند ربطها وتشغيلها بشكل منسّق، أن تعمل كـ”محطة افتراضية “بُنيت بالتكنولوجيا بدلاً من الخرسانة والفولاذ.
فكرة المحطة الموزعة ليست جديدة ففي سبعينيات القرن الماضي وأثناء أزمات الطاقة استخدمت شركات المرافق في ولايات مثل نيوهامبشير الهاتف والمفاتيح اليدوية لإدارة آلاف سخانات المياه لتخفيف الضغط على الشبكة، أما اليوم فإن تقنيات الاتصال البسيطة مثل الواي فاي والبلوتوث تجعل دمج هذه الموارد أسهل وأسرع بكثير. وتشير الدراسات إلى أن تكلفة الكهرباء من المحطات الافتراضية الموزعة تقل بنحو 40% عن تكلفة محطات الغاز التقليدية، فعلى سبيل المثال استثمرت شركة ConEdison في نيويورك 200 مليون دولار لتوظيف مصادر الطاقة الموزعة ما سمح لها بتجنب إنفاق 1.2 مليار دولار على تحديث البنية التحتية التقليدية، هذا النموذج يحمي المستهلكين من زيادات الرسوم الناتجة عن تحسينات باهظة في الأعمدة والأسلاك والمحطات الفرعية، كما تُظهر توقعات وزارة الطاقة الأميركية أن توسيع نطاق المحطات الموزعة قد يلبي 100% من الزيادة المتوقعة في الطلب على الكهرباء بحلول عام 2030.
أزمة النقل والتوزيع
إن تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء يستلزم توسيع شبكات النقل والتوزيع التي تنقل الطاقة من مواقع إنتاجها إلى مناطق الاستهلاك، غير أنّ مشاريع إنشاء خطوط النقل تشهد حالة من الجمود فقد انخفض معدل بناء الخطوط عالية الجهد من نحو 1,700 ميل سنوياً بين عامي 2010 و2014 إلى 55 ميلاً فقط في عام 2023، وأدى هذا الاختناق في الشبكة إلى رفع فواتير الكهرباء للمستهلكين الأميركيين بمقدار 11.5 مليار دولار خلال العام ذاته.
ولا يقتصر الحل على بناء المزيد من الخطوط الجديدة بل يشمل أيضاً تعزيز كفاءة البنية القائمة من خلال اعتماد تقنيات مجرّبة أثبتت فعاليتها في خفض التكاليف، فالموصلات المتطورة تتيح للأسلاك نقل ضعف كمية الكهرباء مقارنة بالماضي في حين تسمح أجهزة الاستشعار والبرمجيات المثبتة على الخطوط بضبط تدفق الطاقة وفق الظروف المناخية ما يزيد من السعة التشغيلية بنسبة تتجاوز 20%، وتمتاز هذه التحديثات بسرعة التنفيذ وانخفاض الكلفة إذ لا تخضع لإجراءات الترخيص المعقدة الخاصة بإنشاء بنى تحتية جديدة ويمكن إنجازها في غضون أشهر بدلاً من سنوات. وقد أثبتت التجارب الميدانية جدوى هذه الحلول ففي ولايتي إنديانا وأوهايو أدى تركيب أجهزة استشعار على الشبكة خلال تسعة أشهر فقط إلى زيادة السعة التشغيلية بأكثر من 50%، وبتكلفة لا تتجاوز 1% من كلفة إنشاء خطوط جديدة، كما بدأت ولايات أخرى مثل مونتانا في إقرار تشريعات تشجع شركات المرافق على اعتماد الموصلات المتقدمة.
الإصلاحات العاجلة وكسر الجمود التنظيمي
إن التحديات الطاقوية الراهنة تفرض على صانعي القرار الفيدراليين والولائيين تبنّي إصلاحات تضع مصلحة المستهلك في صدارة الأولويات وتفسح المجال أمام الحلول الأكثر كفاءة، فـ اللجنة الفيدرالية لتنظيم الطاقة (FERC) طالبت مراراً شركات المرافق ومشغلي الشبكات باعتماد إصلاحات تقنية لتعزيز الكفاءة، لكنها غالباً ما رضخت لاعتراضاتهم كما حدث مطلع عام 2024 حين سمحت لأحد المشغلين بتأجيل إدماج أنظمة الطاقة الموزعة في الأسواق حتى عام 2030. غير أنّ الأزمة الراهنة تمثل فرصة مناسبة لكسر هذا الجمود فمن الضروري أن تستخدم اللجنة سلطاتها لإقرار إصلاحات إلزامية تتعلق بعمليات الربط بالشبكة مع تحديد جداول زمنية واضحة للترقيات وفرض عقوبات صارمة على حالات التقصير، بما يضمن توسيع القدرة الاستيعابية للشبكة بالوتيرة التي حققتها ولاية تكساس، كما يتعيّن وضع أنظمة التخزين ومصادر الطاقة الموزعة على قدم المساواة مع محطات التوليد التقليدية لضمان اختيار المصادر الأكثر كفاءة من حيث الكلفة.
وعلى المستوى الولائي تضطلع لجان المرافق العامة بدور رئيسي في رسم السياسات الناظمة لشركات الطاقة، وقد مكّن ضعف الرقابة العامة خلال العقود الماضية بعض الشركات من عرقلة مساعي الإصلاح، إلا أنّ تصاعد الأسعار جعل تجاهل هذه المؤسسات أمراً مستحيلاً كما يتضح في ولاية نيوجيرسي حيث ارتفعت أسعار الكهرباء المنزلية بنسبة 20% لتصبح محوراً أساسياً في الحملات الانتخابية، وفي ولايات أخرى بالساحل الشرقي يطالب الحكام بإصلاحات شبيهة بنموذج تكساس لتسريع ربط المشاريع الجديدة بالشبكة.
وتكمن أهمية هذه الإصلاحات في أنّها لا تقتصر على خفض الأسعار وحماية المستهلكين بل تسهم كذلك في تعزيز فرص العمل في القطاعات التقنية والميدانية المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة – من كهربائيين وعمال خطوط وفنيي تبريد وتدفئة ومهندسي طاقة، إذ تتطلب عمليات التحديث استثمارات كبيرة في رأس المال البشري وليست مجرد برمجيات. ومن اللافت أن فنيي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يُعدّون حالياً أسرع المهن نمواً في الولايات المتحدة مع توقعات بزيادة تصل إلى 50% خلال العقد المقبل، وتشير الدراسات إلى أنّ هذه المهن ستتطور وتتعزز من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل الصيانة التنبؤية والتشخيص عن بُعد بدلاً من أن تُستبدل بها.
إن الحلول السياسية ليست سهلة أو ميسّرة، ومع ذلك يتيح قطاع الطاقة مجموعة من الخيارات العملية القادرة على توفير طاقة أوفر وأكثر موثوقية بشكل فوري، وإذا ما أحسن صانعو القرار وشركات المرافق استغلال الموارد المتاحة وتعظيم الاستفادة من البنى القائمة فإنهم لن يخففوا الأعباء عن المستهلكين فحسب، بل سيضعون الولايات المتحدة في موقع ريادي لقيادة موجة الابتكار الطاقوي المقبلة.
* Brian Deese and Lisa Hansmann, The Coming Electricity Crisis What America Must Do to Meet Surging Demand, FOREIGN AFFAIRS, September 9, 2025.





