الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
ما بعد التعددية: حدود الدور الصيني والأوروبي والأميركي والجنوبي العالمي

بقلم: جو إنغه بيكفولد
زميل أول في شؤون الصين لدى المعهد النرويجي لدراسات الدفاع
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
تُعَدّ التعددية اليوم ضرورة لا غنى عنها إذ باتت قضايا متزايدة الطابع عابرة للحدود الأمر الذي يجعل التعاون الدولي أمراً حتمياً، غير أنّ النظام التعددي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية مع إنشاء الأمم المتحدة ومجموعة من المؤسسات الدولية يشهد انهياراً متسارعاً، ما يفرض نقاشاً معمقاً حول أسباب هذا التراجع وإمكانية إنقاذ النظام والبدائل المحتملة في حال تعذّر استمراره.
تذهب المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية إلى أنّ المؤسسات الدولية ليست سوى انعكاس لبنية القوة في النظام العالمي، ومن ثم فإن أي تحولات جذرية في ميزان القوى تقوّض أسس هذه المؤسسات، ووفقاً لهذا المنظور علينا أن نتأهب مستقبلاً لأشكال أكثر هشاشة وأقل كفاءة من التعاون عبر الحدود.
لا يعني ذلك أنّ التعددية قد انتهت تماماً ففي تعريفها البسيط – تنسيق السياسات بين ثلاث دول أو أكثر – ستظل قائمة، كما أنّ التعاون قصير المدى بين مجموعات من الدول سيبقى جزءاً من المشهد الدولي، بيد أنّ إنشاء أنظمة تعددية معقدة ذات قواعد مؤسسية دائمة تُلزم عدداً كبيراً من الدول وتحدّ من سلوكها يظل تجربة نادرة، إنّ ما شهدته أواخر أربعينيات القرن العشرين من تشكّل نظام تعددي مؤسسي كان حدثاً فريداً في التاريخ الإنساني وهو النظام الذي يتداعى اليوم أمام أعيننا.

تُظهر بيانات مؤشر التعددية الصادر عن المعهد الدولي للسلام أنّ عدد الدول والمنظمات غير الحكومية المنخرطة في النظام التعددي آخذ بالازدياد، غير أنّ فعالية هذا النظام لاسيما في قدرة مؤسساته على تنفيذ السياسات على امتداد أعضائها قد شهدت تراجعاً واضحاً خلال العقد الأخير، ويبرز هذا التدهور في مجالات أساسية مثل السلم والأمن وحقوق الإنسان والسياسات المناخية. حتى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش – الذي يستضيف القادة في الدورة الثمانين للجمعية العامة في أيلول – اعترف بأن الثقة في التعددية تتآكل، ويُجسد النهج الأحادي لإدارة ترامب أبرز صور هذا الانهيار إذ أدت سياسة التعريفات الجمركية القائمة على قرارات منفردة وصفقات ثنائية إلى تفريغ منظمة التجارة العالمية، التي كانت تعاني أصلاً من الجمود وجعلها مؤسسة بلا مضمون فعلي. من موقع الخبرة الدبلوماسية السابقة أُدرك – بوصفي ممثلاً سابقاً لدولة صغيرة مثل النرويج – الأهمية البالغة لنظام تعددي فعّال في إدارة الشؤون الدولية بعدالة واستدامة، إلا أنّني، كأكاديمي ينطلق من المنظور الواقعي أؤكد أنّ بقاء هذا النظام مرهون بدعم القوى الكبرى، فبينما يرى التيار الليبرالي في العلاقات الدولية أنّ المؤسسات تملك قدراً من الاستقلالية والقدرة الذاتية يذهب المنظور الواقعي إلى أنّ مستوى المشاركة في المؤسسات الدولية وفاعليتها يعكسان بالدرجة الأولى توازن القوى في النظام الدولي. يمكن القول إنّ اللحظة الأحادية الأميركية – التي امتدت على مدى عقدين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 – شكّلت ذروة التعددية الدولية، فرغم أنّ الولايات المتحدة لم تكن دائماً الحارس الأمثل للنظام الدولي ولم تنضم إلى جميع آليات التعاون بل واستغلت أحياناً موقعها في (الشرق الأوسط) وغيره بما يخدم مصالحها الخاصة فإنها كانت مع ذلك الراعي الأكبر للتعاون التعددي، فقد تزامن نفوذها المنفرد مع دعم واسع دولياً وداخلياً لفكرة التعددية ما منح هذه التجربة الدولية أفضل شروطها التاريخية.
وجدت الصين في دعمها لروسيا وسيلة لتعزيز موقعها إزاء الولايات المتحدة بينما سعت الهند إلى الموازنة للحؤول دون ارتهان موسكو بالكامل لبكين. كما أسهم هذا التحول في إضعاف الذهنية المؤيدة للتعددية،..
شهد النظام الدولي ذروة التعددية في ظل الهيمنة الأميركية عقب نهاية الحرب الباردة ويُعزى ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
أولاً: البنية الأحادية للنظام الدولي حيث كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة قادرة على التفكير بمنطق المكاسب المطلقة للنظام العالمي بأسره وليس بمنطق المكاسب النسبية، ورغم أن الفرضية التقليدية تفترض أنّ التعددية تزدهر في ظل التعددية القطبية الا أنّ الواقع أظهر أن الأحادية القطبية وفّرت بيئة أكثر ملاءمة للتعاون المتعدد الأطراف، ففي ظل غياب “شرطي عالمي” كانت القوى العظمى تخشى أن يحصد منافسوها مكاسب نسبية أكبر من التعاون ما يضعف حوافزها للمشاركة، غير أنّ أمن الولايات المتحدة في ظل هيمنتها مكّنها من تقديم “سلع عامة” للنظام الدولي بما أتاح مكاسب مطلقة لجميع الأطراف وفي هذا السياق عملت واشنطن بجد لدمج الصين في منظمة التجارة العالمية وغيرها من الأطر التعددية مفضّلةً الحلول طويلة الأمد القائمة على الاستقرار وخفض تكاليف المعاملات على الحلول القسرية المؤقتة.
ثانياً: الطبيعة الليبرالية للولايات المتحدة كـ(ليفياثان ليبرالي) لم يكن التفوق الأميركي مجرّد تفوق مادي بل ارتبط أيضاً بخطاب ديمقراطي وقيم السوق الحرة، صحيح أنّ الولايات المتحدة تدخّلت عسكرياً وسعت إلى تغيير أنظمة لكنها لم تمارس ضمّ الأراضي بالقوة، كما أنّ التزامها بالقيم الليبرالية – رغم أنه كان انتقائياً وغير مرحّب به في عواصم كثيرة – جعلها أقل تهديداً للتعددية مما لو كانت قوة استبدادية أو انعزالية، لقد ساعدت هذه الطبيعة الليبرالية في إضفاء الشرعية على النظام التعددي على الأقل بالمقارنة مع البدائل الممكنة.
ثالثاً: أظهرت الحرب الباردة بوضوح أنّ الكتلة الغربية المبنية على مؤسسات متعددة الأطراف مثل حلف الناتو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة السبع وصندوق النقد الدولي والاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (التي سبقت منظمة التجارة العالمية) قدّمت معدلات نمو اقتصادي ومعايير معيشية أفضل بكثير من الكتلة السوفيتية، وعليه، عندما انتصرت الولايات المتحدة في هذا الصراع توفّر دعم داخلي ودولي واسع النطاق لتوسيع دائرة الدول المنخرطة في النظام التعددي القائم على مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما دفع دولاً مثل الصين إلى الانضمام إليه.
لكن الظروف التي سمحت ببلوغ هذه الذروة قد تبدلت بشكل جذري، فقد أدّت نهاية الأحادية الأميركية وبروز الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة والصين إلى تراجع الحوافز نحو التعاون المتعدد إذ باتت واشنطن وبكين تركزان بشكل متزايد على المكاسب النسبية وهو ما انعكس في تحول السياسة الأميركية من الانخراط الاقتصادي مع الصين إلى اعتماد سياسات الرسوم الجمركية وتقليص المخاطر، وفي المقابل وجدت الصين في دعمها لروسيا وسيلة لتعزيز موقعها إزاء الولايات المتحدة بينما سعت الهند إلى الموازنة للحؤول دون ارتهان موسكو بالكامل لبكين. كما أسهم هذا التحول في إضعاف الذهنية المؤيدة للتعددية إذ لم يقتصر الأمر على نزعة إدارة ترامب العدائية حيال المؤسسات الدولية بل ترافق مع موجة أوسع في الغرب عبّرت عن نفسها في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود الأحزاب القومية والمشككة في المشروع الأوروبي، وإلى جانب ذلك برزت بدائل مؤسساتية موازية تقودها الصين مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في ظل استمرار تحفظ بكين على أجزاء أساسية من النظام التعددي خصوصاً منظومة حقوق الإنسان، ولا يقلّ أهمية عن ذلك تنامي النزعة القومية في الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند وروسيا وهو ما جعل الأنظمة القومية أكثر ريبة في التعامل مع الهيئات الدولية مقارنة بالأنظمة الديمقراطية المنفتحة.
إنّ انهيار النظام التعددي الراهن لا ينبغي أن يكون مدعاة للاستغراب فقد ناقش الباحثون منذ سنوات ملامح النظام الدولي “ما بعد أميركا”، وكان جون إيكنبري أحد أبرز منظّري الليبرالية الدولية قد حذّر قبل عقد من أنّ “لحظة التعددية” تقترب من نهايتها، واليوم تبدو الشروط المواتية لبناء نظام تعددي قوي أسوأ مما كانت عليه عند إطلاق ذلك التحذير، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن العصر الذهبي للتعددية قد أصبح جزءاً من الماضي.
لا يوجد نقص في الأفكار حول كيفية تحسين النظام التعددي لكنها في الغالب ترتكز على زيادة مشاركة الجهات غير الحكومية وإعطاء صوت أقوى للدول في الجنوب العالمي، ومن الطبيعي أن تسعى قوى كبرى مثل الهند والبرازيل إلى دور أكبر في النظام التعددي ومن الصعب إنكار ضرورة تمثيل أكثر عدلاً وإنصافًا في نظام من المفترض – نظريًا على الأقل – أن يخدم الجميع، ومع ذلك فإن النظام الدولي للدول لا يعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها الديمقراطية المحلية، فالاختلاف والتعددية قد يكونان شرطًا مسبقًا للديمقراطية لكن توزيع القوة متعدد الأقطاب لا يعني بالضرورة عالماً أكثر تعددية، وقد يعزز توسيع عدد الدول في مجلس الأمن الدولي شرعيته لكنه لا يضمن بالضرورة زيادة تأثيره، فمصالح وسلوكيات القوى الكبرى تُحدد بعوامل تتجاوز مجرد من يشغل مقاعد في هيئة تعددية. ويمكن استخلاص نقطتين أخيرتين بشأن المسار المستقبلي للنظام التعددي:
أولاً: حان الوقت للإقرار بأن العصر الذهبي للتعددية قد انتهى بشكل لا رجعة فيه، فليس لدى الصين ولا الولايات المتحدة أي رغبة في إنقاذ سوى الأجزاء التي تخدم مصالحهما الوطنية فقط، ولن تتمكن أوروبا الصديقة للتعددية أو أميركا ما بعد ترامب الأكثر تعاونًا أو عالم متعدد الأقطاب يمنح الجنوب العالمي صوتًا أكبر من إعادة إحياء هذا النظام على نحو كامل.
ثانيًا: فإن النظام التعددي الناقص والمحدود لا يزال يستحق الدفاع عنه – ببساطة لأن البديل سيكون أسوأ بكثير، ومع ذلك من المرجح أن يكون النظام التعددي المستقبلي أكثر تجزؤًا حيث تنشأ مجموعات صغيرة من الدول المتفقة في الرأي – ما يُعرف بـ«التعددية المصغرة» لحل مشاكل محددة، وقد تُستند هذه المجموعات أحيانًا إلى القيم المشتركة لكنها في الغالب تُنظَّم حول التحديات المشتركة، والتي لا يوجد نقص فيها في العالم اليوم.
* Jo Inge Bekkevold, The Golden Age of Multilateralism Is Over And it cannot be revived by China, Europe, post-Trump America, or the global south, FOREIGN POLICY, September 12, 2025.



