الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الطريقة الخاطئة لممارسة الدبلوماسية مع روسيا .. ما يمكن أن يتعلمه ترامب من ريغان

بقلم: سيليست أ. والاندر
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تعتبر القمم بين رؤساء الدول مقامرة سياسية عالية المخاطر لتحقيق اختراقات دبلوماسية، عادةً ما يُقيَّم نجاح هذه القمم وفقاً لقدرتها على حل مشكلة دولية مستعصية لكن في بعض الأحيان يكون تأثيرها الأكثر أهمية على الوضع السياسي الداخلي لأحد المشاركين أو لكليهما، وقمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الشهر الماضي في ألاسكا تندرج ضمن هذا الإطار فقد عززت موقف بوتين داخلياً وبالتالي أطالت أمد الحرب في أوكرانيا وعززت قبضته على السلطة.
تتوازى قمة أنكوراج مع قمة ريغان وغورباتشوف في ريكيافيك عام 1986 حيث اجتمع زعيمان أمريكي وروسي لمواجهة تحدٍ دبلوماسي رئيسي، في 1986 كان الهدف إنهاء سباق التسلح وفي ألاسكا كان الهدف إنهاء الحرب في أوكرانيا، في كلا الحالتين فشل الزعيمان في تحقيق أهداف القمة ففي ريكيافيك رفض ريغان إلغاء مبادرة الدفاع الاستراتيجي بينما انتهت قمة ألاسكا دون اتفاق لإنهاء غزو روسيا لأوكرانيا. لكن الفروقات الجوهرية تكمن في نتائج القمتين على الداخل الروسي/السوفييتي، بالنسبة لغورباتشوف عجلت القمة بنهاية نظامه فقد عاد إلى الكرملين ضعيفاً ولم تمنعه قراراته لاحقاً من انهيار الاتحاد السوفييتي بعد خمس سنوات، أما بوتين فقد خرج من ألاسكا منتصراً إذ أظهر ترامب الترحيب الكبير به ووصف علاقتهما بأنها “رائعة” فيما لم يقدّم بوتين أي تنازلات وحمل ترامب أوكرانيا مسؤولية إنهاء القتال.
نتيجة لذلك يكتسب بوتين اليوم شعوراً بالنجاح على الصعيد الداخلي حيث ترى 79% من الروس أن القمة انتصار له، وفق استطلاع حديث لشركة ليفادا المستقلة و51% منهم متفائلون بتحسن العلاقات مع الولايات المتحدة، وبثّت وسائل الإعلام الروسية القمة كما حدثت فعلياً مع تعليق غربي على نصر بوتين مما يعزز صورته ويتيح له الاستمرار في الحرب وفق شروطه.

ناقوس موت الإمبراطورية
عندما انتُخب غورباتشوف أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1985 كانت البلاد بحاجة ماسة للإصلاح، كانت القوات السوفييتية غارقة في أفغانستان والاقتصاد يعاني من التخطيط المركزي الفاشل والفجوات الاجتماعية والفساد ونقص الموارد. وعد غورباتشوف المتشددين والإصلاحيين على حد سواء بحل هذه المشكلات دون تغيير جوهري للنظام السوفييتي، وكان رؤيته تقوم على زيادة الإنتاجية وتقليص الإنفاق غير المجدي مع الحفاظ على قوة الحزب الشيوعي واحتكاره للسلطة، سعياً لذلك دفع غورباتشوف بتفاوض مع واشنطن للحد من الترسانات النووية الاستراتيجية بشرط عدم إدراج الدفاعات الصاروخية الأمريكية ضمن الاتفاق حفاظاً على التوازن الدفاعي. لكن القمة في ريكيافيك فشلت فشلاً ذريعاً إذ رفض ريغان التخلي عن مبادرة الدفاع الاستراتيجي وعاد غورباتشوف إلى موسكو بلا أي مكاسب مضطراً لمواجهة نخبة حزبية منقسمة،
لتثبيت سلطته تحالف غورباتشوف مع الإصلاحيين الرئيسيين ووقع مع ريغان على معاهدة الصواريخ متوسطة المدى رغم عدم تقييد الدفاعات الأمريكية، وبدأ سلسلة تغييرات اقتصادية وسياسية واسعة سمحت بأعمال شبه خاصة وحرية أكبر للجمهوريات السوفييتية بما فيها روسيا.
لكن هذه الإصلاحات لم تنجح في تحقيق النمو الاقتصادي المتوقع بل أدت إلى تفكك النظام، فامتدت طوابير الغذاء واندلعت احتجاجات جوع وتأخرت الرواتب وفتحت الإصلاحات المجال لحركات وطنية وزعماء جدد مثل بوريس يلتسين الذين أسهموا لاحقاً في انهيار الدولة السوفييتية، وفي كانون الاول 1991 دخل الاتحاد السوفييتي التاريخ ككيان منقرض.
الوقت في صالح بوتين
روسيا تحت حكم بوتين ليست الاتحاد السوفييتي في عهد غورباتشوف، لا توجد قيادة جماعية تحد من سلطة الكرملين فبوتين لا يخضع لأي مكتب سياسي أو لجنة قوية بل يترأس نظامًا سلطويًا شخصيًا يكون هو فيه المصدر الوحيد للسلطة،..
المسؤولون العموميون ورجال الأعمال المحيطون به يملكون مناصبهم ونفوذهم وثرواتهم بفضل ولائهم وخدمتهم له فقط. ومع ذلك فإن ذلك لا يعني أنه غير معرض للمخاطر، الدعاية الروسية قوية لكن الأزمات الاقتصادية قد تهز حالة الركود الاجتماعي السائدة، ولا يزال من غير الواضح كيف ستتصرف النخبة الروسية إذا اضطر بوتين إلى تقليص مزاياهم الاقتصادية.
حتى الآن نجح بوتين في إدارة هذه المخاطر، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب لم ينهار الاقتصاد الروسي تحت وطأة العقوبات بل تمكن القادة الاقتصاديون المتمرسون من الحفاظ على معدل نمو يزيد عن 4٪ العام الماضي مدعومين بإنفاق دفاعي مرتفع، كما ظل مستوى التوظيف والاستهلاك والوصول إلى الائتمان مرتفعًا، ورغم صعوبة قياس الرأي العام بدقة في دولة بوليسية سلطوية الا أنه لا توجد علامات على أن استياء النخبة أو المجتمع يهدد حكم بوتين.
مع ذلك أدى الإنفاق الحكومي الكبير لتعزيز الاقتصاد إلى تضخم مرتفع بلغ نحو 10٪ في 2024 وأكثر من 8٪ هذا العام، كما أن الحرب تكلف روسيا كثيرًا من الفرص فالعقوبات الدولية تحد من التجارة والاستثمار والوصول إلى التكنولوجيا ما يعيق الإنتاجية والنمو، وبالرغم من قدرة روسيا على بيع النفط للصين والهند فإن محدودية الوصول إلى الأسواق العالمية تجبرها على ذلك بأسعار منخفضة، أما الجيش الروسي فلتجنيد جنود جدد بعقود عليه تقديم مكافآت توقيع ورواتب مرتفعة ما يزيد من نقص اليد العاملة ويحفز التضخم.
ساهم أداء بوتين في قمة ألاسكا في التخفيف من هذه الضغوط، صحيح أنه لم يحصل على اتفاق بشأن بعض المطالب القديمة أو الصفقات التجارية التي ألمحت إليها إدارة ترامب لكن في نظر النخبة الروسية والمواطنين العاديين فقد نجح، فقد كسر العزلة التي فرضها الغرب ووصل إلى الولايات المتحدة متحديًا العقوبات ومذكرات الاعتقال الدولية بتهم جرائم الحرب، كما أجل وربما تجنب بالكامل فرض عقوبات جديدة على النفط الروسي وذكّر العالم بعزم موسكو على فرض تنازلات من أوكرانيا ليس فقط عن الأراضي بل عن سيادتها واستقلالها.
علاوة على ذلك ساعدت القمة بوتين على إضفاء الشرعية على المطالب الروسية ومنحت الروس الذين قد يشككون في حكمة الغزو سببًا للاعتقاد بأن العملية كانت كما وعد عادلة، ففي مواجهة الصحفيين في أنكوراج وبخلفية تقول “السعي للسلام” تحدث بوتين عن “الاهتمامات المشروعة” لروسيا ورغبته في “تحقيق توازن عادل للأمن في أوروبا والعالم” وضرورة “القضاء على جميع الجذور الأساسية لأسباب القتال في أوكرانيا”، لم يعارض ترامب هذه الرواية بل بدا أنه قبل موقف بوتين بشأن حق موسكو في التأثير على سيادة أوكرانيا وضمانات الأمن الغربية، عاد بوتين إلى روسيا وقد أثبت لشعبه أنه كان على صواب وأن عليهم عدم التردد وأنه سينتصر لهم.
بالنسبة لبوتين لم تكن القمة هدفها تحقيق السلام في أوكرانيا بل فرض إرادته على النظام الدولي والحفاظ على احتكاره للسلطة داخليًا، منذ أولى تحركاته في أوكرانيا عام 2014، يلعب بوتين لعبة طويلة الأمد واضعًا نصب عينيه أن الوقت في صالحه، قمة ألاسكا منحت بوتين مزيدًا من الوقت وعززت موقفه لتحقيق النصر العسكري.
*Celeste A. Wallander, The Wrong Way to Do Diplomacy with Russia What Trump Could Learn from Reagan, AFFAIRS, September 9, 2025.



