الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
نحو اتفاق مُستدام مع إيران مقاربة لرأب الصدع بين واشنطن وطهران في ملف التخصيب النووي

بقلم: روبرت آينهورن
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لا يزال من غير الجلي ما إذا كانت الضربات العسكرية الأخيرة التي نفذتها الولايات المتحدة (وإسرائيل)* قد قلّلت من احتمالية امتلاك إيران للسلاح النووي أم زادتها، فرغم ما ألحقته تلك الهجمات من أضرار بالغة بالبنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني فإنها لم تُبدّد اهتمام الجمهورية الإسلامية بامتلاك القدرات النووية العسكرية، بل على العكس أسفرت عن زيادة الغموض بشأن حجم ومكان وحالة العناصر الأساسية للبرنامج النووي كما لم تُفلح في إغلاق المسارات المتاحة أمام إيران لتطوير سلاح نووي عبر الاستفادة مما تبقّى لديها من معدات ومواد وخبرات في إطار عمليات سرّية محدودة النطاق.
في هذا السياق استأنفت إدارة الرئيس ترامب مساعيها للتوصل إلى اتفاق نووي جديد يقوم على مبدأ “صفر تخصيب” أي حظر أي نشاط لتخصيب اليورانيوم أو البنية التحتية المرتبطة به داخل الجمهورية الإسلامية في إيران، ورغم أن مثل هذا الاتفاق من شأنه أن يقوّض بشكل شبه كامل أي مسعى إيراني لإنتاج سلاح نووي إلا أنّ طهران رفضته رفضاً قاطعاً حتى الآن، وإذا لم تُفضِ الجهود الدبلوماسية المكثفة إلى تحقيق هذا الهدف فقد تلجأ الإدارة الأميركية إلى خيار الاعتماد على الأدوات العسكرية والاستخباراتية وحدها لمنع إيران من إعادة إحياء برنامجها النووي وهو المسار الذي يحظى بتأييد واضح من الجانب (الإسرائيلي)، غير أن مثل هذا الخيار ينطوي على مخاطر الانزلاق نحو صراع مسلح مستدام في المنطقة من دون ضمان النجاح في الحؤول دون حصول إيران على قدرات نووية عسكرية ومن ثمّ يظلّ الخيار الأكثر ترجيحاً هو التفاوض على اتفاق يسمح بالتخصيب لكن في حدود ضيقة مع فرض آليات تحقق ورقابة صارمة.
العودة الى طاولة المفاوضات
من المرجح أن تتمحور المفاوضات الأميركية الإيرانية المقبلة حول القضية نفسها التي عرقلت الجولات الخمس السابقة.
منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى حرب الاثني عشر يوماً تحرّكت إدارة ترامب باتجاه استئناف الحوار الثنائي مع طهران غير أنّ إيران لم تُبدِ استعداداً فورياً لذلك في ظل انقسامات عميقة داخل النخبة الحاكمة بشأن جدوى التفاوض مع واشنطن، وقد اشترط مسؤولون إيرانيون بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي تقديم ضمانات أميركية بعدم استهداف الجمهورية الاسلامية في إيران خلال فترة المحادثات وهو ما رفضته واشنطن بشكل قاطع، لكن تقارير إعلامية أبرزها لوكالة رويترز تشير إلى أنّ المرشد الأعلى علي خامنئي وأركان المؤسسة الدينية الحاكمة باتوا يميلون إلى اعتبار استئناف المفاوضات ضرورة، وإذا تأكد ذلك فمن المرجح أن يجد الطرفان صيغة عملية للعودة إلى طاولة الحوار.
وتبرز هنا أولوية أميركية ملحّة تتمثل في استعادة أنشطة الرقابة التي تمارسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي جرى تعليقها بموجب قانون وقّعه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في الثاني من تموز، فبعد الضربات العسكرية في حزيران لم يعد بوسع الوكالة الدولية التحقق من نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب والذي قد يكون دُفن تحت الأنقاض أو جرى نقله من مواقع التخزين قبل الهجمات، كما أنّ عدد أجهزة الطرد المركزي المنتَجة منذ عام 2021 ما زال مجهولاً بعد أن منعت إيران وصول المفتشين إلى ورش التصنيع الخاصة بها. ومن دون إخضاع جميع المواد النووية وأجهزة الطرد المركزي والبنية التحتية ذات الصلة لرقابة الوكالة الدولية وحساباتها ستظل مسارات إيران نحو إنتاج سلاح نووي قائمة، ورغم زيارة خبراء الوكالة إلى طهران في 11 آب لمناقشة ترتيبات استئناف أنشطتهم إلا أنّ السلطات الإيرانية رفضت منحهم حق الوصول إلى المواقع النووية، ومن المتوقع أن توافق طهران على فتح منشآت لا تثير حساسية مثل مفاعل بوشهر لتوليد الطاقة والمفاعل البحثي في طهران لكنها ستستمر في تقييد التعاون الكامل إلى أن يصبح جزءاً من اتفاق شامل بحيث يُستَخدم كأداة تفاوضية لاحقاً.
من المرجح أن تتمحور المفاوضات الأميركية الإيرانية المقبلة حول القضية نفسها التي عرقلت الجولات الخمس السابقة، حظر جميع أنشطة التخصيب والبنية التحتية المرتبطة بها، إذ أعلنت إدارة ترامب تمسكها القاطع بخيار “صفر تخصيب” كما صرّح المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف في 18 آب. وتعوّل الإدارة الأميركية على مزيج من الضغوط العسكرية والاقتصادية والعزلة الدولية لإرغام إيران على التخلي عن برنامجها النووي وربما حتى عن طموحاتها العسكرية في هذا المجال، غير أنّ إيران ما تزال ثابتة على موقفها الرافض فبرنامجها النووي ولا سيما التخصيب يمثل بالنسبة إليها رمزاً للسيادة الوطنية والفخر القومي ودليلاً على القدرة التكنولوجية وعلامة على تحدّي الضغوط الخارجية، كما تصف طهران التخصيب بأنه “وثيقة تأمين” ضد احتمالية وقف إمدادات الوقود من الخارج مستقبلاً، وقد كرّست الجمهورية الإسلامية موارد ضخمة وتحمّلت أثماناً بشرية واقتصادية باهظة للحفاظ على هذا البرنامج بما في ذلك خسارة أبرز علمائها وقادتها العسكريين.
وبالتالي فإن التيار الداعم لامتلاك السلاح النووي داخل النظام وخارجه يعارض بشدة أي حظر على التخصيب معتبراً ذلك بمثابة إنهاء فعلي للطموح النووي الإيراني، كما يرى المتشددون أنّ الرضوخ للمطالب الأميركية يمثّل إذلالاً وطنياً وخيانة وهو ما يجعل المرشد الأعلى خامنئي متردداً في قبول خيار “صفر تخصيب”.
البحث عن حلول
طرح عدد من الخبراء المستقلين مقترحات لتقليص الفجوة التي تبدو عصية على الردم بين الموقفين الأميركي والإيراني بشأن قضية التخصيب، من بين هذه المقترحات التي حظيت باهتمام رسمي وبحثي على حد سواء فكرة إنشاء كونسورتيوم متعدد الأطراف لدورة الوقود النووي يتولى إنتاج اليورانيوم المخصب لتلبية احتياجات المنطقة من الطاقة النووية السلمية، ويعتقد مؤيدو هذا الطرح أنّ إشراك أكثر من دولة في ملكية وإدارة وربما تشغيل منشأة للتخصيب من شأنه تعزيز الشفافية وتقليص احتمالية استغلال أي طرف منفرد للمنشأة في إنتاج يورانيوم عالي التخصيب لأغراض عسكرية.
إلا أنّ بلورة صيغة مقبولة من كل من طهران وواشنطن تظل أمراً بالغ الصعوبة، فكونسورتيوم يُنشئ منشأة للتخصيب في دولة خليجية عربية ويستبعد أي تخصيب داخل إيران سيكون مرفوضاً تماماً من طهران، وعلى النقيض فإن أي صيغة تسمح باستمرار التخصيب في إيران لن تحظى بقبول واشنطن فضلاً عن ذلك فإن إدارة وتشغيل منشأة تخصيب على أساس متعدد الجنسيات، بغض النظر عن موقعها قد ينطوي على مخاطر انتشار التكنولوجيا النووية إلى دول أخرى وهو ما يشكل تحدياً خطيراً من منظور عدم الانتشار.
ومع استمرار الخلاف حول التخصيب كعقبة أمام التوصل إلى اتفاق شامل ترددت تقارير عن بحث المفاوضين الأميركيين والإيرانيين خيار التوصل إلى اتفاق مرحلي، مثل هذا الاتفاق سيكون مؤقتاً ومحدود المدة يُجمّد مسألة التخصيب مؤقتاً ويُظهر بعض التقدم عبر حزمة صغيرة من الخطوات التي تهم طرفاً أو آخر ويوفّر وقتاً إضافياً للتفاوض على اتفاق نهائي، وقد يرى كلا الطرفين أنّ الاتفاق المرحلي وسيلة للإبقاء على مسار المحادثات حيّاً وتفادي الاستحقاقات السياسية الداخلية المترتبة على الفشل في التوصل إلى اتفاق شامل أو تقديم تنازلات مؤلمة. غير أنّ مكونات أي اتفاق مرحلي بعد الهجمات العسكرية (الإسرائيلية) والأميركية ستكون مختلفة عن تلك التي طُرحت قبل حرب حزيران، فعلى سبيل المثال تعليق إنتاج إيران لليورانيوم المخصب بنسبة 60% الذي كان مطروحاً سابقاً كجزء من اتفاق مرحلي لم يعد ذا أهمية تُذكر بالنسبة لواشنطن، بعد أن أُوقف هذا النشاط بالفعل (ولو مؤقتاً) بفعل الضربات.
في ظل اتفاق مرحلي بعد الحرب قد تسعى الولايات المتحدة إلى إلزام إيران بقبول استعادة واسعة لأنشطة المراقبة التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو الامتناع عن بعض الأنشطة النووية مثل الاستعداد لاستئناف التخصيب في المنشآت المتضررة، وفي المقابل قد تطالب إيران برفع جزئي للعقوبات أو الإفراج عن مليارات الدولارات من أموالها المجمّدة في الخارج أو تعهّد أميركي بعدم مهاجمة منشآتها النووية أو دعم أي هجوم ضده، ومع سعي كل طرف إلى تعظيم مكاسبه وتقليص تنازلاته يبقى إيجاد صيغة مقبولة من الطرفين أمراً بالغ التعقيد وحتى إذا تحقق ذلك فمن المرجح أن يكون الاتفاق المرحلي قصير الأجل فامتناع إيران عن تقديم تعاون كامل مع الوكالة الدولية خلال فترة الاتفاق سيُبقي حالة الغموض قائمة بشأن أنشطتها غير الخاضعة للرقابة وهو ما قد يُصبح غير مقبول بالنسبة لواشنطن، وفي المقابل فإن فشل إيران المتكرر في تحقيق رفع جوهري للعقوبات مع بقائها ملتزمة بخطوات مثل عدم الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) قد يصبح بدوره غير مقبول في طهران لا سيما لدى التيار المتشدد.
وعاجلاً أم آجلاً سيكون على الجانبين مواجهة المسألة الجوهرية التخصيب، ورغم أنّه من الوارد أن ترضخ إيران تحت وطأة التهديد بمزيد من الضربات العسكرية وتقبل بخيار “صفر تخصيب” فإن احتمال حدوث ذلك يبقى ضئيلاً في ظل المعارضة الشرسة من التيار المتشدد ومخاوف القيادة من التداعيات الداخلية لقبول ما يُنظر إليه كاستسلام (لإسرائيل) والولايات المتحدة، وإذا لم ترضخ إيران فستجد إدارة ترامب نفسها أمام خيارين رئيسيين هما إما الاعتماد على الوسائل العسكرية والاستخباراتية لعرقلة أي مسعى إيراني لامتلاك سلاح نووي أو إعادة صياغة موقفها التفاوضي باتجاه السعي إلى اتفاق يسمح بالتخصيب في إيران ولكن ضمن حدود صارمة وآليات تحقق ورقابة قوية.
سلبيات التخلّي عن الدبلوماسية
إن الخيار العسكري يعني الانسحاب من المفاوضات والتركيز على جمع المعلومات الاستخبارية المتعلقة بأي مؤشرات على استئناف الأنشطة النووية واستخدام القوة العسكرية أو العمليات السرّية إذا اقتضى الأمر– لمنع إيران من إعادة بناء برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية والدفاعية الجوية المتضررة، ومن المرجح أن تتولّى (إسرائيل) زمام المبادرة في تنفيذ هذا الخيار على أن تحظى بدعم الولايات المتحدة في مجالات جمع المعلومات الاستخبارية، والدفاع عن هذا التوجّه على المستوى الدبلوماسي وربما المشاركة في العمليات العسكرية أو السرّية.
يرى مؤيّدو هذا النهج– ومن بينهم عدد كبير من المسؤولين والخبراء غير الحكوميين في كلٍّ من (إسرائيل) والولايات المتحدة – أن الاختراق العميق الذي حققته الاستخبارات (الإسرائيلية) داخل إيران إلى جانب التفوّق الذي تتمتع به كلّ من (إسرائيل) والولايات المتحدة في مجال السيطرة على الأجواء الإيرانية يمكّنهما من كشف أي مؤشرات على استئناف الأنشطة النووية وضرب الأهداف الإيرانية عند الحاجة، كما يعتبر هؤلاء أن غياب الاتفاق يمنح تل أبيب وواشنطن حرية التحرّك الفوري ضد إيران في الوقت الذي تختارانه من دون القيود والتأخيرات التي عادة ما ترافق آليات التحقق والتنفيذ المتفاوض عليها. إضافة إلى ذلك فإن هذا النهج لا يستدعي تقديم تعويضات لإيران عبر تخفيف العقوبات أو إنعاش نظام سياسي يكافح من أجل البقاء، غير أنّ انتهاج المسار العسكري على حساب الدبلوماسية ينطوي على مخاطر كبيرة فقد نجحت الضربات الأميركية و(الإسرائيلية) بشكل لافت ضد المنشآت النووية الكبرى المعروفة، لكن أي جهد إيراني لاحق لبناء ترسانة نووية أولية في مواقع صغيرة وسرّية شديدة التحصين سيكون أقل عرضة للهجمات الاستباقية، ومع استمرار غياب الرقابة الكافية للوكالة الدولية للطاقة الذرية نتيجة انهيار المسار التفاوضي ستصبح عملية تطوير برنامج نووي سرّي أكثر يسراً بالنسبة لإيران.
وقد يتطلّب هذا النهج تكرار الضربات العسكرية على مدى زمني طويل وهو ما يشبه مقاربة “جزّ العشب” الأمر الذي قد يدفع إيران إلى الرد على (إسرائيل) أو على المصالح الأميركية وحلفائها الإقليميين بما قد يجرّ الولايات المتحدة إلى صراع مسلّح طويل الأمد جديد في (الشرق الأوسط)، كما أنّ التخلي عن المفاوضات واعتماد القوة العسكرية قد يثير مخاوف شركاء واشنطن في الخليج الذين يفضّلون التهدئة مع إيران ويقوّض فرص تعزيز مسارات التطبيع والاندماج الإقليمي، وفوق ذلك فإن الانسحاب من المسار التفاوضي لصالح الخيار العسكري قد يدفع طهران إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي وربما اتخاذ قرار طال تأجيله بالشروع في إنتاج الأسلحة النووية.
تصحيح المسار
الخيار الأفضل للولايات المتحدة يكمن في إعادة النظر في مقترحها القائم على “صفر تخصيب” والسعي بدلاً من ذلك إلى التفاوض على برنامج تخصيب اليورانيوم مقيّد بشكل صارم ويخضع للتحقق الدقيق، يمكن أن يرتكز المقترح الأميركي المعدّل على مبدأ يسمح لإيران بامتلاك برنامج تخصيب يلبي فقط الاحتياجات الواقعية والفورية للوقود النووي في إطار برنامج سلمي حقاً وهو موقف يتوافق مع ادعاءات إيران الطويلة الأمد– بأن برنامجها كان دائماً مخصصاً للأغراض السلمية فقط، وبالنظر إلى أنّ روسيا تزود المفاعلات الايرانية المنشأة في بوشهر بالوقود وأن تشغيل المفاعلات الإيرانية المصممة محلياً لا يزال بعيد المنال فإن احتياجات إيران الحالية من التخصيب محدودة جداً وقد تقتصر حالياً على تزويد مفاعل طهران البحثي وربما بعض المفاعلات البحثية الجديدة ومفاعلات إنتاج النظائر والتي تتطلب كميات أقل بكثير من اليورانيوم المخصب مقارنة بالمفاعلات النووية للطاقة.
يتطلب هذا النهج من إيران التخلص من مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصب بنسبة تزيد عن 5% من اليورانيوم – 235، إما عن طريق تخفيفه أو نقله إلى دولة أخرى (كما تم نقل المخزون الفائض بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة 2015)، كما يوجب على طهران تفكيك أو نقل أجهزة الطرد المركزي الفائضة عن الحاجة لتلبية احتياجات إنتاج الوقود القريب المدى إلى بلد آخر للتخزين الآمن، ويتعين على إيران تحويل اليورانيوم المخصب أقل من 5% فورياً من الحالة الغازية سواءً كان منتَجاً حديثاً أو ضمن مخزونها الحالي إلى شكل مسحوقي وهو أقل قابلية للاستخدام في برنامج أسلحة نووية وفي الوقت نفسه يشكّل الشكل المطلوب لتصنيع وقود المفاعلات النووية أو أهداف إنتاج النظائر. ويُحدد حجم مخزونات اليورانيوم المخصب أقل من 5% وكذلك اليورانيوم الطبيعي في الحالة الغازية بما يتوافق مع احتياجات الوقود الفعلية للفترة القريبة، كما يُلزم الاتفاق إيران بالإفصاح للوكالة الدولية للطاقة الذرية وتقديم مبررات لأي توسّع في قدرة التخصيب مثل إضافة أجهزة طرد مركزي زيادة مخزون اليورانيوم المخصب، أو إنشاء منشآت جديدة إذا كان ذلك ضرورياً لدعم التوسّعات الفعلية والفورية في البرنامج النووي المدني مثل مفاعل نووي جديد في مرحلة متقدمة من الإنشاء وليس لدعم إضافات مستقبلية لن تتحقق إلا بعد فترة طويلة، ويقتصر التخصيب على منشأة واحدة فوق الأرض مع الإغلاق الدائم لمنشأتي نطنز وفوردو.
لبناء صورة شاملة ودقيقة للبرنامج النووي الإيراني خاصة في ظل الغموض الكبير الحالي يجب أن تشمل ترتيبات الرقابة والتفتيش في الاتفاق الجديد ما يتجاوز الإجراءات الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) ، ويجب أن توفر إيران معلومات مفصّلة عن الأنشطة غير الخاضعة للمراقبة التي نفّذتها بعد تعليق تطبيق البروتوكول الإضافي للوكالة في 2021 مثل إنتاج أجهزة الطرد المركزي، كما يُحظر استخدام المعدات والأنشطة المتعلقة بتصنيع الأسلحة النووية فيما تُعلن وتُتحقق جميع المعدات والأنشطة مزدوجة الاستخدام. وسيتم استخدام تقنيات رقابة متقدمة بما في ذلك أجهزة مراقبة التخصيب عبر الإنترنت وفي الوقت الحقيقي وفق تقدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ويجب تبسيط ترتيبات التفتيش لضمان الوصول السريع للوكالة إلى المواقع المشبوهة بما فيها المنشآت العسكرية والحساسة الأخرى، ويمكن أن تضمن إجراءات حل النزاعات السريعة وآليات التنفيذ اتخاذ السلطات المختصة مثل حكومات الأطراف في الاتفاق ومجلس حكام الوكالة أو مجلس الأمن الدولي الإجراءات الملائمة في الوقت المناسب لمعالجة أي مخالفات، كما يتطلب الأمر اتخاذ تدابير خاصة لردع عدم الالتزام بما في ذلك حق الأطراف في تعليق تخفيف العقوبات والمزايا الأخرى على الطرف المخالف، وقد يساعد إعلان أميركي أحادي الجانب يحتفظ بحق اتخاذ أي إجراءات ضرورية بما في ذلك استخدام القوة في الرد على انتهاكات الاتفاق على تعزيز الردع مع العلم أن هذا الإعلان لن يكون جزءاً من نص الاتفاق نفسه.
بالطبع يجب أن يتضمن الاتفاق الجديد حوافز لإيران بما في ذلك تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، وتتناسب الالتزامات القابلة للعكس من جانب طهران مع الحوافز القابلة للعكس المقدمة من واشنطن، كما يمكن تخفيف العقوبات الأميركية الرئيسية التي تحظر التعامل مع إيران لإتاحة الفرص للتجار والمستثمرين الأميركيين بالمثل مع نظرائهم الأوروبيين والآسيويين ولتعزيز مصالح الولايات المتحدة في استمرار الاتفاق وهو ما يعالج مخاوف إيران بشأن إمكانية انسحاب إدارة أميركية مستقبلية من الاتفاق، لضمان دوام الاتفاق ومعالجة المخاوف المتعلقة بـ “أحكام الغروب” في خطة العمل الشاملة المشتركة التي أنهت قيوداً رئيسية بعد 10 و15 سنة ينبغي أن يكون الاتفاق دائماً أو طويل الأجل للغاية مثل 25 إلى 30 سنة. ويمكن التفاوض عليه ثنائياً بين واشنطن وطهران بالتشاور مع أطراف ثالثة مهتمة وربما يُحوّل لاحقاً إلى اتفاق متعدد الأطراف ولجعله ملزماً قانونياً وتعزيز استدامته يفضّل أن يأخذ شكل معاهدة تتطلب موافقة ثلثي مجلس الشيوخ الأميركي مقارنةً بخطة العمل الشاملة المشتركة التي كانت التزاماً سياسياً غير ملزم ولا تتطلب موافقة الكونغرس، ويعزز هذا الالتزام التعاون المستمر بين الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين لمنع الدعم الإيراني لشبكة وكلائها باستخدام أدوات مثل مشاركة المعلومات الاستخباراتية، واعتراض الشحنات والعقوبات والضغوط الدبلوماسية والعمليات السرية والهجمات العسكرية المستهدفة.
* Robert Einhorn, The Path to a Good-Enough Iran Deal How Washington and Tehran Can Bridge the Gap on Enrichment, Foreign Affairs, August 29, 2025.
* لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



