الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

قوانين الحشد الشعبي بين مطرقة رئيس مجلس الوزراء وسندان مجلس النواب

الجزء الثالث

بقلم: د. مصدق عادل

أستاذ القانون والقضاء الدستوري في كلية القانون – جامعة بغداد

 

يعد موضوع الحشد الشعبي من المواضيع الاستراتيجية التي شغلت أذهان الرأي العام على المستويين الدولي والداخلي، فعلى الرغم من سبق قيام مجلس النواب بتشريع قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016، والذي أعتبر الحشد الشعبي تشكيلاً عسكرياً مستقلاً يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة العراقية وفق المادة (1) منه، غير أنَّ رؤساء الحكومات العراقية المتعاقبة لم يتخذوا الإجراءات الفعلية والحقيقية اللازمة لمأسسة الحشد الشعبي، وتصين البيئة الداخلية له، من أجل تحويله إلى تشكيلاً عسكرياً نظامياً يحاكي الجيش العراقي.

وعلى الرغم من قيام هيئة الحشد الشعبي بإعداد مشروعي قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي لعام 2024، وكذلك مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي لعام 2025، غير أنَّ هناك العديد من الأسباب السياسية والقانونية التي حالت دون استكمال تشريع هذين القانونين داخل قبة مجلس النواب، وبالأخص بعد قراءته لمرتين داخل مجلس النواب.

وبالنظر للاختلافات الحاصلة بين الكتلة النيابية المؤيدة والمعارضة لتمرير مشروعي القانونين وجدت الولايات المتحدة ضالتها من أجل التدخل في الشأن الداخلي العراقي عبر تسليم رسائل وبرقيات إلى المسؤولين العراقيين من السلطتين التشريعية والتنفيذية، من أجل إظهار العجز الحكومي والنيابي في إدارة هذا الملف، وبعث رسائل إلى حلفاء أمريكا في الداخل العراقي بمساندتهم والوقوف معهم في عرقلة تشريع هذين القانونين.

ومن اجل الوقوف على هذه المسائل لذا سنتناولها بصورة تفصيلية تباعاً كالآتي:

 

أولاً: أسباب ومبررات سحب مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي من قبل رئيس مجلس الوزراء:

اختلف الرأي بشأن الجهة التي قامت بسحب مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي، حيث يذهب الرأي الأول إلى أنَّ هيئة الحشد الشعبي هي التي طلبت سحب مشروع القانون، وذلك بسبب وجود بعض الملاحظات والتعديلات على هذا المشروع.

فيما يذهب الراي الثاني الراجح إلى القول بأنَّ مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي قد تم سحبه من قبل رئيس مجلس الوزراء.

ونؤيد الرأي الثاني، وذلك للعديد من الأسباب: منها أنَّ مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي لم يكن وليد الظروف الحالية، وذلك لسبق الشروع والبدء في كتابة مسودة هذا المشروع من قبل الشهيد (أبو مهدي المهندس) منذ العام 2016، وبالتحديد بعد قيام مجلس النواب بالتصويت بتاريخ 26/تشرين الثاني/2016 على قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016، حيث شكل الشهيد (أبو مهدي) لجنة تتكون من (12) من الضباط والقادة والنواب المختصين بالأمور العسكرية والأمنية الذين انيط بهم كتابة مقترح هذا القانون، وتوالى تشكيل اللجان التي بلغ عددها (3) لجان لحين استشهاد القائد (أبو مهدي المهندس) في 5 كانون الثاني 2020، ليتولى حمل راية هذا المشروع رئيس هيئة الحشد الشعبي، حيث تمت إعادة تشكيل اللجنة المختصة بكتابة مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي واكماله بالصورة التي عرضت على مجلس الوزراء والمصوت عليها بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (24400) في 14/ايار/2024.

ولقد تم التأكيد على ذلك بموجب كتاب الدائرة القانونية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء المرسل إلى مكتب رئيس مجلس النواب[1] الذي جاء فيه ( نظراً لإقرار قانون هيئة الحشد الشعبي من مجلس الوزراء مؤخراً، وما تضمنه القانون المذكور من تنظيم عمل هيئة الحشد الشعبي وتحديد وظائفها ومهماتها واختصاصاتها والتشكيلات المرتبطة بها ووضع الخطط الستراتيجية لتحقيق أهدافها وتنفيذ العمليات العسكرية المنوطة بها، وبناء وتنظيم جهاز عسكري متكامل من حيث التسليح والتجهيز والتدريب وذلك للإسهام في الدفاع عن البلد وحماية وحدة وسلامة أراضيه ومكافحة الإرهاب بجميع اشكاله، وبناء على توجيه السيد رئيس مجلس الوزراء، نرجو صرف النظر عن كتابنا آنفاً وإعادة المشروع المذكور آنفاً إلى مجلس الوزراء لإعادة النظر فيه واحتساب الكلف المالية الناجمة عن اعتماده بعد إقرار مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي انفاً وما يتضمنه من هيكلية جديدة، آملين من مجلسكم الموقر اعتماد المشروع انفاً الذي سيجري ارساله الى مجلسكم الموقر بالسرعة الممكنة وبما يكفل تنظيم خدمة منسوبي الهيئة ضباطاً ومتطوعين ومساواتهم مع اقرانهم العاملين في القوات المسلحة وتطوير القدرات العسكرية لتشكيلات ومجاهدي الحشد).

وبهذا يتضح أنَّ كتاب الدائرة القانونية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء قد صدر بناء على توجيه رئيس مجلس الوزراء، وعلى الرغم من استناد الكتاب إلى متطلبات مالية تتعلق باحتساب الفروقات التي ستصرف لضابط ومقاتلي هيئة الحشد الشعبي، وعلى الرغم من نص الكتاب على أنه سيصار إلى إعادة ارساله لمجلس النواب بالسرعة الممكنة، غير أنه مضت أكثر من (سنة ونصف) ولم يصار إلى إعادة إرسال مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي إلى مجلس النواب مجدداً.

وعلى الرغم مما تقدم غير أنَّ الواقع السياسي لسحب مشروع القانون تمثل بوجود اختلافات بين الكتل السياسية الشيعية بشأن منصب رئيس هيئة الحشد الشعبي، وانتقلت الخلافات إلى باقي الكتل السياسية السنية والكردية لتعلن عدم الموافقة على التصويت على مشروع هذا القانون، وبالأخص بعد الاعتراض الأمريكي الصريح على تمرير مشروع هذا القانون، والتلويح بالعقوبات الاقتصادية ضد كل من يشرع هذا القانون.

فضلاً عما تقدم فإنَّ قيام هيئة الحشد الشعبي باستكمال مشروع قانون ثاني هو (مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي الجديد عام 2025)، الذي تضمن الهيكل التنظيمي للحشد الشعبي، والتصويت عليه في مجلس الوزراء بتاريخ 25/شباط/2025، يعتبر أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى عدم إمكانية قيام مجلس الوزراء بإرسال مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي مجدداً، وبالأخص في ظل الاعتقاد السائد لدى الكتل النيابية وبعض النواب أنَّ بناء الهياكل الوظيفية للحشد الشعبي من المديريات والدوائر وتحديد المركز القانوني لرئيس هيئة الحشد الشعبي والمناصب العليا في الهيئة تعتبر أولوية مقدمة على حقوق مقاتلي الحشد الشعبي من الرواتب والمخصصات والرتب العسكرية و التسكين الوظيفي وغيرها.

وبهذا يتضح أن هناك العديد من العوامل والأسباب الدولية والداخلية ساهمت في عدم إمكانية استكمال تشريع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي لعام 2024 في ظل الدورة النيابية الخامس لمجلس النواب (2022-2026)، ليسجل ذلك تراجعاً في الجهد النيابي التشريعي من قبل نواب المكون الشيعي بشأن تشريع مشروع هذا القانون الذي يخدم أبناء الحشد الشعبي من حيث الحقوق والامتيازات.

 

ثانياً: مدى جدوى وأهمية مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي ومشروع قانون هيئة الحشد الشعبي.

سبق وأنْ بينا أنَّ قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016 جاء لينقل الحشد الشعبي من مرحلة عدم الاعتراف القانوني به إلى مرحلة الاعتراف الدستوري والقانوني به، فبمجرد صدور هذا القانون أصبح الحشد الشعبي تشكيلاً عسكرياً يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، ويخضع للقوانين العسكرية من جميع الوجوه([2]).

وعلى الرغم من النص الصريح في قانون هيئة الحشد الشعبي في المادة (1) منه ثانياً: يتألف التشكيل من قيادة وهيئة أركان وصنوف وألوية مقاتلة. يتم تكييف منتسبي ومسؤولي وآمري هذا التشكيل وفق السياقات العسكرية من تراتبية ورواتب ومخصصات وعموم الحقوق والواجبات.

غير أنه لم يتمكن رؤساء مجلس الوزراء العراقيين المتعاقبين وبضمنهم رئيس مجلس الوزراء الحالي من استكمال متطلبات تكييف الأوضاع القانونية والوظيفية لمقاتلي هيئة الحشد الشعبي، وذلك للعديد من الأسباب التي تخرج عن نطاق دراستنا.

وبهذا الصدد يثار التساؤل الآتي عن أهمية مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي ومشروع قانون هيئة الحشد الشعبي الخاص بالهياكل الوظيفية؟

قبل الإجابة على هذا التساؤل تجدر الإشارة إلى وجود رأيين يتنازعان هذا الموضوع:

  1. الرأي الأول: يمثل هذا الراي راي غالبية القادة السياسيين الشيعية، وهيئة الحشد الشعبي الذين يرون أنَّ إقرار قانون الهياكل الوظيفية للحشد الشعبي مقدمة على إقرار قانون الخدمة والتقاعد لمقاتلي الحشد الشعبي.

 ويستندون في هذا الراي إلى العديد من الأسس منها: إنَّ الحشد الشعبي يعد تشكيلاً عقائدياً من حيث الوظيفة، حيث تشير أدبيات العمل الجهادي إلى استمرار المجاهد في عمله دون تحديد للسن الأعلى للإحالة إلى التقاعد، حيث أنَّ صفة المجاهد لا تنتفي الإ بالشهادة، فضلاً عن ذلك فإنَّ مؤسسة الحشد الشعبي وبناء الهياكل الوظيفية الرئيسية تعتبر أولوية قصوى في ترصين البيئة الداخلية للحشد الشعبي، وتحويله إلى تشكيل عسكري مستقل كما هو منصوص عليه في المادة (1) من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016، وبالأخص في ظل تعذر الاستحداث القانوني للمديريات العامة أو الدوائر في هيئة الحشد الشعبي أو مساواة شاغليها لمن يناظرها في وزارة الدفاع من حيث الاستحقاقات الوظيفية والمالية.

ولهذا فإنَّ مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي لعام 2025 الذي سيحل محل قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016 يعد أولوية تشريعية وعسكرية وحكومية قصوى مقدمة على تشريع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهد هيئة الحشد الشعبي وفقاً لأصحاب هذا الراي.

  1. الراي الثاني: يرى أصحاب هذا الراي أنَّ تشريع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي لعام 2024 يحتل أهمية تفوق أهمية مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي لعام 2025، وذلك للعديد من الأسباب: حيث أنَّ المادة (1/ثانياً/4) من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016 ([3]) لا يمكن تحقيقها إلا باستكمال مأسسة الوجود الوظيفي والمالي والعسكري لمقاتلي هيئة الحشد الشعبي الذين بلغت اعدادهم أكثر من (280000) مائتنا وثمانون الف مقاتل، وهو الذي يمكن الوصول إليه من خلال تشريع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي.

بعبارة أخرى فإنَّ هذا الراي يرى وجود تكامل بين القانون رقم (40) لسنة 2016 وبين مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي لعام 2024، حيث يمكن اعتبار مشروع قانون الخدمة التطبيق الحقيقي لفكرة (مؤسسة الحشد الشعبي) وتحويله إلى تشكيل عسكري مستقل يحاكي الجيش العراقي والقوات المسلحة العراقية.

وبالأخص إذا ما علمنا أنَّ وزارة الدفاع العراقية لا زالت لغاية يومنا هذا تعمل بالأمر التشريعي الذي أصدرته سلطات الاحتلال الأمريكي، وهو أمر سلطة الائتلاف المؤقتة (المنحلة) رقم (67) لسنة 2004.

ولهذا نرى من جانبنا أنَّ أهمية مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي تفوق أهمية مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي لسنة 2025، وذلك لتضمن مشروع قانون الخدمة العديد من المسائل منها المساواة الحقيقية لرواتب ومخصصات المقاتل والضابط في الحشد الشعبي مع اقرانه من العاملين في القوات المسلحة، فضلاً عن تحقيق المأسسة الحقيقية والشاملة للمؤسسة، وذلك من خلال تكييف وضع المقاتل والضابط، ومنح كل منهم الاستحقاق القانوني لهم، فضلاً عن توفير ضمانات تمنع من الاستغناء عن المقاتل نتيجة وجود رقم احصائي في الهيئة وفي وزارة المالية، وبالشكل الذي يمكنه من التنقل أو الانتداب الوظيفي بين هيئة الحشد الشعبي وغيرها من الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، كما أنَّ مشروع قانون الخدمة والتقاعد يحدد المركز القانوني لرئيس هيئة الحشد الشعبي بدرجة وزير، كما أنه يعالج الخدمة الجهادية المضاعفة التي قضاها المقاتلين في ساحات الوغى ضد تنظيم داعش الإرهابي، فضلاً عن رفعه السن الأعلى للتقاعد (5) سنوات عن اقرانهم في القوات المسلحة وعلى غرار امر سلطة الائتلاف المؤقتة (المنحلة) رقم (91) لسنة 2004 بشان تنظيم القوات المسلحة والميليشيات في العراق دمج الميليشيات.

وهو الأمر الذي يدلل لنا بالدليل اليقيني القاطع أنَّ مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي هيئة الحشد الشعبي يعتبر أولوية تشريعية وحكومية عاجلة، ولهذا يتوجب على رئيس مجلس الوزراء إعادة مشروع القانون إلى مجلس النواب من أجل التصويت عليه قبل انتهاء الفصل التشريعي في 1 أيلول 2025 من اجل ضمان حقوق المقاتلين في الحشد الشعبي، ومنح الحقوق التقاعدية لمن أكمل السن القانوني للإحالة إلى التقاعد، والإسراع في عملية المأسسة البشرية والوظيفية للحشد الشعبي.

(1) ينظر كتاب الدائرة القانونية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء المرقم (ق/2/2/75/42/1797) في 10/3/2025 إلموجه إلى مكتب رئيس مجلس النواب تحت عنوان (عاجل جداً).

([2])  تنص المادة (1) من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016

أولاً: تكون هيئة الحشد (الشعبي) المُعاد تشكيلها بموجب الأمر الديواني المُرقم (91) في 24/2/2016 تشكيلاً يتمتع بالشخصية المعنوية، ويعد جزءاً من القوات المسلحة العراقية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

ثانياً: يكون ما ورد من مواد الأمر الديواني (91) جزءاً من هذا القانون وهي:

  1. يكون الحشد الشعبي تشكيلاً عسكرياً مستقلاً وجزءاً من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

  2. يخضع هذا التشكيل ومنتسبوه للقوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي.

([3])  تنص المادة (1) من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016 (ثانياً: 4. يتم تكييف منتسبي ومسؤولي وآمري هذا التشكيل وفق السياقات العسكرية من تراتبية ورواتب ومخصصات وعموم الحقوق والواجبات).

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى