الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
من أوسلو إلى نيويورك… مسار لإنقاذ الاحتلال لا لإنهائه

بقلم: الباحث نوار عبد الرزاق الحسن الثامر
منذ العام ١٩٤٨ والاعتداءات (الإسرائيلية) على الفلسطينيين لم تتوقف، بل زادت السياسات التعسفية، وأُعلن قانون الطوارئ ورُفعت خطط الاستيطان. فقد شهد الفلسطينيون على مدار عقدين من الزمن منذ عام ١٩٦٧ وحتى عام ١٩٨٧ ممارسات عنصرية كثيرة، حيث وصلت إلى الحرمان من أدنى مقومات الحياة، والاستمرار بسياسة مصادرة الأراضي والاعتقال العشوائي والعقاب الجماعي والسيطرة على جميع مناحي الحياة.
الحصار والتجاهل وانتفاضة الحجارة
رافق هذه الإجراءات الظالمة حصار اقتصادي وسياسي على جميع مناطق الفلسطينيين، إضافة إلى سياسة الحصار الخانق والعزل داخل الأراضي المحتلة. وتزامن ذلك مع تراجع وصمت عربي وإسلامي تام، خاصة بعد مؤتمر القمة العربية في الأردن عام ١٩٨٧، الذي تجاهل القضية الفلسطينية، كما اتسم الموقف الدولي بالجمود واللامبالاة.
كل هذا مهد لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الاولى في ٨ كانون الأول ١٩٨٧، والتي فجرتها عملية دهس لمجموعة من العمال الفلسطينيين، مما أدى إلى استشهاد أربعة وجرح آخرين. تحوّلت الجنازات إلى مسيرات غضب، ثم إلى تظاهرات عمت قطاع غزة والضفة الغربية، وأطلقت شرارة عمليات الجهاد والمقاومة الشعبية، التي تميزت بالمسيرات اليومية والاعتصامات الكبرى.
قمع الانتفاضة وأثمانها
حاول الاحتلال قمع الانتفاضة بكل السبل، من حظر التجوال إلى الاعتقالات الجماعية، التي وصلت إلى أكثر من ١٠٠ ألف أسير. ووفق الإحصائيات، استشهد نحو ١٣٤٦ فلسطينيًا بينهم ٢٧٦ طفلًا، وتم ترحيل المئات، وهدمت مئات المباني. فضحت الانتفاضة الوجه القمعي للاحتلال الذي لطالما قدّم نفسه كدولة ديمقراطية وترعى حقوق الانسان.
أوسلو: تسوية تخدم الاحتلال
لما بدأت صور القمع والظلم والقتل تخرج الى العالم، وصار المجتمع الدولي يرى ويسمع، واصبح الاحتلال في مأزق حقيقي، سارعت جهات دولية وعربية وفلسطينية، لعقد مفاوضات سرية مع (اسرائيل)، وأُعلن عن “اتفاقية أوسلو” عام ١٩٩٣، التي لم تكن سوى محاولة لإنقاذ (إسرائيل) من سقوط محتم. أعطت الاتفاقية اعترافًا بشرعية الاحتلال على أكثر من ٧٠٪ من الأراضي الفلسطينية، وأدانت المقاومة واعتبرتها ارهابا، واقرت بأن المفاوضات هي المسار الوحيد لاسترداد الحق الفلسطيني.
ورغم مبادئ الاتفاقية، حول انسحاب القوات (الإسرائيلية)، والإفراج عن المعتقلين، وعودة اللاجئين، وقيام دولة فلسطينية خلال خمس سنوات، إلا أن شيئًا من ذلك لم يُنفذ. على العكس، تضاعف الاستيطان، وزادت وتيرة التهويد، وظلت غالبية الأرض تحت سيطرة الاحتلال.
وكما يقول المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد: “ان الذين وقعوا اوسلو يستحقون المحاكمة من الشعب الفلسطيني”.
الواقع بعد ثلاثة عقود
بعد مرور ٣٢ عامًا، يتواصل الصراع ويتصاعد. غزة تشهد إبادة جماعية غير مسبوقة، الضفة والقدس تخضعان لسيطرة شاملة، بعض الأسرى ما زالوا في السجون منذ ما قبل أوسلو، واللاجئون في ازدياد، بينما الاستيطان تضاعف أكثر من أربع مرات.
وفي عام ٢٠٢٣ فقط، قُتل ٢٥٠ فلسطينيًا، وتم تهجير مئات آخرين، مع تصاعد الاقتحامات للمسجد الأقصى وعمليات الاعتقال والهدم، وسط صمت عربي واسلامي مخزٍ، وسكوت عالمي مريب، وعملية متعمدة لدثر القضية الفلسطينية ومحوها بالكامل، وتطبيع متسارع مع (إسرائيل) من بعض الأنظمة، وقد تكرس هذا كله، بظهور (النتن ياهو) في ٢٢ ايلول ٢٠٢٣ في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو يحمل بيده وامام العالم بأسره ما سماه خارطة (الشرق الاوسط) الجديد والتي تخلو من فلسطين تماما.
طوفان الأقصى: عودة القضية للواجهة
في ظل هذا المشهد، اندلعت “معركة طوفان الأقصى” في ٧ تشرين الاول ٢٠٢٣، ردًا على التهويد والقتل والحصار، وتعبيرًا عن رفض الفلسطينيين أن تُمحى قضيتهم. أما الاحتلال، فقد سقط قناعه نهائيًا، بأنه كيان لا يراعي اي حقوق للانسان، وأنه قاتل ومارق من اي قوانين دولية وحقوق انسانية، وأنه يقوم بحرب ابادة جماعية يذهب ضحيتها شيوخ عزل ونساء واطفال، وهذا ما كشفه العالم ومجتمعه الدولي مؤخرا ويقينا، لذلك اصبح ملاحق قانونيا وانسانيا وسياسيا في المحاكم الدولية بتهم الابادة الجماعية، وانه يخوض حرب ضد الانسانية، الى ان وصل الامر الى تشكيل احلاف جديدة تقاطع الاحتلال “كحلف لاهاي”، ودولا اخرى حليفة له تناقش وتراجع اتفاقاتها العسكرية معه، مما جعله في عزلة دولية غير مسبوقة، ودعاوى في المحاكم الجنائية بتهم الإبادة الجماعية.
مؤتمر نيويورك: نسخة جديدة من أوسلو
وفي لحظة الانكشاف والعزلة هذه التي لم يسبق للاحتلال ان مر بها في تاريخه، وفي ظل تراجعه المدوي سياسيا وعسكريا وامنيا واقتصاديا وانسانيا واستراتيجيا، جاء قبل ايام “مؤتمر نيويورك” بقيادة فرنسا والسعودية. فرنسا التي قبل ايام ايضا صوتت مع امريكا لمشروع قرار ضد غزة، وهي التي تزود الاحتلال الى الان بكافة الاسلحة. والسعودية التي لم تنضم لا الى الدول التي تحاكم (اسرائيل) في المحاكم الدولية، ولا الى الدول التي تقاطعه، ليعيد طرح “حل الدولتين”، مع الدعوة لنزع السلاح الفلسطيني وإدانة المقاومة والنضال الفلسطيني “ووصمه ضمنيا بالإرهاب”. لكن المؤتمر لم يختلف عن أوسلو: محاولة جديدة لإنقاذ الكيان (الإسرائيلي)، دون أي إلزام حقيقي له، في حين يُشرّع الكنيست قرارات بضم الضفة والقدس، ويرفض تمامًا قيام دولة فلسطينية. فأي دولة ستُقام، و(إسرائيل) تسيطر فعليًا على كل شيء؟!
الخاتمة
إن ما يُطرح في المؤتمرات الدولية ليس حلًا، بل تخديرًا، لا يستهدف إنهاء الاحتلال، بل إنقاذه من السقوط. أوسلو بالأمس، ونيويورك اليوم، كلاهما محطات في مشروع يهدف إلى تصفية القضية تحت عباءة “السلام”. لكن ما يغيب عن هؤلاء، أن فلسطين ليست ملفًا يمكن طيّه، ولا قضية تُباع في المؤتمرات. فكلما اشتد الحصار، اشتعلت المقاومة. وكلما كثر الخذلان، ازداد الوعي الشعبي. وإن كانت المؤتمرات تُعقد فوق الطاولات، فإن فلسطين تُصنع على الأرض، حيث شعب لا ينسى، ومقاومة لا تنكسر، وقضية لا تموت.



