الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الرأي الدستوري والقانوني بشأن أحقية رئيس مجلس النواب في إلغاء قرارات المجلس

سلسلة دراسات الشؤون النيابية والحكومية ..... الجزء الأول

بقلم:  أ. د. مصدق عادل / أستاذ القانون الدستوري في كلية القانون – جامعة بغداد

 

 أثارت وسائل الاعلام العراقية العديد من الخلافات السياسية والدستورية والقانونية بشأن القرارات المتخذة من مجلس النواب في جلسة المجلس المنعقدة في 5 اب 2025 برئاسة النائب الأول لرئيس مجلس النواب على الرغم من وجود رئيس مجلس النواب داخل قبة المجلس، واتخاذ النائب الأول العديد من القرارات سواء بالتصويت على بعض بنود جدول اعمال الجلسة، أو ادراج مشاريع قوانين أخرى لغرض التصويت عليها في هذه الجلسة.

ومن أجل بيان الموقف الدستوري والقانوني من هذه الجلسة وكذلك القرارات المتخذة فيها سنتناول ذلك تباعاً كالاتي:

أولاً: موقف الدستور والنظام الداخلي من رئاسة وإدارة جلسات مجلس النواب:

ايماناً من المشرع الدستوري العراقي بأهمية منصب رئيس مجلس النواب ونائبيه في إدارة العمل النيابي (التشريعي والرقابي) باعتبار النائب ممثلاً لكل الشعب العراقي نجد ان المادة (55) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 عالجت موضوع انتخاب رئيس المجلس ونائبيه بالنص (ينتخب مجلس النواب في أول جلسة له رئيساً، ثم نائباً أولاً ونائباً ثانياً بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس بالانتخاب السري المباشر).

فيما احالت المادة (51) من الدستور تنظيم كل ما يتعلق بتنظيم سير العمل في مجلس النواب الى النظام الداخلي الذي يضعه المجلس، وهو الامر الذي يمكن معه اعتبار النظام الداخلي لمجلس النواب تشريعاً دستورياً يتوجب الالتزام به من قبل جميع النواب.

وبالرجوع الى النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022 نجد أنه عالج المركز الدستوري لرئيس مجلس النواب ونائبيه وصلاحياتهما، حيث تنص المادة (33) منه (رئيس المجلس هو الذي يمثله ويتحدث باسمه).

كما حددت المادة (34) من النظام الداخلي للمجلس صلاحيات رئيس المجلس بالنص (يمارس الرئيس المهام الآتية: ثانياً: افتتاح جلسات المجلس وترؤسها).

أما صلاحيات النائب الأول لرئيس مجلس النواب فحددتها المادة (35) من النظام الداخلي للمجلس التي تنص (أولاً: يمارس النائب الأول المهام الآتية:  أ .  القيام بمهام رئيس المجلس عند غيابه أو تعذر قيامه بتلك المهام).

وبهذا يتضح من المادة أعلاه أنَّ النائب الأول لرئيس مجلس النواب لا يحق له رئاسة أو إدارة جلسة مجلس النواب في حالة حضور رئيس مجلس النواب أو تواجده داخل قبة مجلس النواب إلا في حالة وجود تخويل أو تفويض شفوي أو تحريري من رئيس المجلس للقيام برئاسة المجلس بالنيابة عنه في الحالات التي يتعذر حضوره فيها لأي سبب كان.

ثانياً: سلطة رئيس مجلس النواب في الغاء قرارات مجلس النواب في حالة عقد الجلسة من النائب الأول دون حضوره:

سبق وأنْ بينا أنه من حيث المبدأ في حالة وجود رئيس مجلس النواب داخل قبة مجلس النواب فإنه لا يجوز للنائب الاول لرئيس مجلس النواب عقد جلسة المجلس الا في حالة وجود تفويض او تخويل من الرئيس للنائب الاول بعقد الجلسات.

وبتطبيق ما تقدم على جلسة مجلس النواب المنعقدة يوم 5 اب 2025 برئاسة النائب الأول نرى أنه طالما لم تتحقق حالة غياب رئيس مجلس النواب عن حضور جلسات المجلس ورئاسته فلا يجوز دستورياً أو قانونياً للنائب الأول لرئيس المجلس أنْ يحل محل الرئيس المنتخب في عقد جلسة المجلس واتخاذ أي قرار فيها، سواء بالتصويت على بعض الدرجات الخاصة لإشغال مناصبهم أصالة، أو التصويت على مشاريع القوانين المعروضة في جدول الاعمال، وذلك بالاستناد لأحكام المادة (35/أولاً/أ) من النظام الداخلي التي لم تجز للنائب الأول ممارسة اعماله الا في حالة تغيب الرئيس أو تعذر حضوره للجلسة.

بعبارة أخرى أنَّ التكليف القانوني للنائب الأول برئاسة جلسة مجلس النواب بالنيابة لا تتحقق إلا في الحالتين الاتيتين:

  1. غياب الرئيس عن قبة مجلس النواب: ففي هذه الحالة يحق للنائب الأول عقد الجلسة بحكم الدستور وبحكم القانون دون الحاجة إلى استحصال تفويض أو تخويل من رئيس المجلس بعقد جلسة المجلس، استناداً لمبدأ (الحلول التلقائي) المعروفة في فقه القانون.

  2. تعذر حضور الرئيس عن الجلسة: حيث يكون رئيس مجلس النواب متواجداً داخل قبة مجلس النواب، غير أن انشغاله بلقاء سياسي أو دولي قد يمنعه من رئاسة وإدارة جلسة المجلس، وبإمكان رئيس المجلس أنْ يفوض النائب الأول (شفوياً أو تحريرياً) بعقد الجلسة ورئاستها واتخاذ جميع القرارات فيها، وهو الأمر الذي لم يحصل في جلسة مجلس النواب المنعقدة يوم 5 اب 2025، فلم يفوض رئيس المجلس النائب الأول بعقد الجلسة، ويدلل على ذلك حضوره اثناء قيام المجلس بالتصويت على الفقرات المضافة لجدول الاعمال بصورة غير قانونية، والتي تمثلت بالتصويت على فقرتين تتعلقان بتثبيت أصحاب الدرجات الخاصة اصالة.

ونرى من الناحية الدستورية والقانونية أنَّ كل ما اتخذه رئيس المجلس والنواب من قرارات نيابية قبل وصول رئيس مجلس النواب لرئاسة جلسة المجلس تعتبر مخالفة للدستور وتشكل مخالفة لأحكام النظام الداخلي لمجلس النواب، ولا يمكن ترتيب الاثار القانونية عليها، حيث سيتم التعامل مع هذه القرارات من قبل رئيس مجلس النواب على أنها قرارات غير منتجة لآثارها، وذلك لعدم استيفاء الشكلية القانونية اللازمة للتصويت عليها، وذلك لعدم مراعاة ركن الشكل (قواعد الشكل والإجراءات) المنصوص عليها في النظام الداخلي لمجلس النواب، والتي تستوجب اتخاذ هذه القرارات بحضور رئيس المجلس في ظل عدم وجود تفويض للنائب الأول بعقد الجلسة.

ولقد تأكد هذا الحكم بالإعلان الذي أصدره رئيس مجلس النواب في نفس جلسة المجلس، ومن ثم نرى أن إعلان رئيس مجلس النواب الغاء قرارات جلسة يوم ٥ اب ٢٠٢٥ واعتبارها غير صحيحة جاءت موافقة لأحكام الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب.

 وما يدلل على عدم دستورية وعدم قانونية قرارات المجلس المتخذة في هذه الجلسة هو ما ورد في المادة (9) من النظام الداخلي لمجلس النواب التي تنص (يمارس (رئيس المجلس ونائباه) مُجتَمعِينَ المهام الآتية: ثانياً: تصديق محضر الجلسة السابقة لمجلس النواب).

وبهذا يتضح من المادة أعلاه أنَّ رئيس مجلس النواب المنتخب اصالة بإمكانه ممارسة سلطته الرئاسية برفض التصديق على محضر الجلسة السابقة لمجلس النواب، أي عدم التصديق على قرارات جلسة المجلس يوم 5 اب 2025، ومن ثم سيصار إلى تأكيد عدم دستورية وعدم قانونية التصويت على قرارات المجلس من رئيس مجلس النواب، ومن ثم يتعذر تنفيذها أو اصدار القرار النيابي الخاصة بتنفيذ القرارات المتخذة سابقاً والتي شابها ركن الشكلية بعدم استيفاء الاجراءات والشكليات اللازمة لانعقاد جلسة مجلس النواب.

وبخلاف ذلك، إي في حالة إصرار النائب الأول وبعض النواب على دستورية وقانونية التصويت الذي ادلوا به في جلسة المجلس المنعقدة 5 اب 2025 فبإمكانهم اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا لغرض الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والأنظمة وفقاً لأحكام المادة (93/ثالثاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.

وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أنَّه على الرغم من أنَّ السوابق القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في القرارات السابقة الصادرة منها قد سارت باتجاه إلغاء بعض القرارات المتخذة في جلسات مجلس النواب، ومنها قرار اقالة رئيس مجلس النواب عام 2016(1)، غير أننا نرى أنَّ المحكمة الاتحادية في هذا الفرض ستحكم برد الطعن دون الدخول في أساسه، كونه يتعلق بالسلطة التنظيمية لمجلس النواب والذي يختص به المجلس ورئيسه المنتخب بالشكل الذي يحافظ على مبدأ الفصل بين السلطات وفق المادة (47) من الدستور.

لكل ما تقدم فإننا ندعو النائب الأول لرئيس مجلس النواب إلى الالتزام بنصوص الدستور وأحكام النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022 فيما يتعلق برئاسة وإدارة جلسات المجلس، وعدم الاضطلاع بهذه المهمة إلا في حالة غياب رئيس المجلس او وجود تفويض (شفوي أو تحريري) من رئيس المجلس بذلك حفاظاً على مكانة ومنزلة مجلس النواب باعتباره بيت الشعب والمعبر عن آماله وتطلعاته، وبهذا تتحقق سيادة القانون وفق المادة (5) من الدستور، ونضمن التمثيل الجماهيري للنائب لجميع أبناء الشعب العراقي.

كما ندعو رئيس مجلس النواب إلى عدم التصديق على محضر جلسة مجلس النواب المنعقدة يوم 5 اب 2025 من اجل إرساء سلوك نيابي باحترام المركز الدستوري والقانوني لرئيس مجلس النواب.

كما ندعو رئيس مجلس النواب إلى تثبيت فقرة التصويت على تثبيت الدرجات الخاصة اصالة ضمن جدول اعمال المجلس التي يعلن عنها للجمهور لتحقيق الشفافية النيابية في العمل النيابي.

وفي الوقت ذاته ندعو النواب إلى الابتعاد عن تغليب المصالح السياسية والحزبية على المصلحة الوطنية، والعمل بفريق نيابي واحد في التصويت على القوانين المهمة التي تخص أبناء الشعب.

 

(1) ينظر قرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (38/اتحادية/2016) وموحداتها 39 و40 و42 و 43 و44 و45و 46 و47 و48 و49، 50/اتحادية/2016 الصادر في 28/6/2016

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى