تحليلات واراءسلايدر

الدولة واللادولة في العراق

الجزء الاول

د. مصدق عادل

كلية القانون – جامعة بغداد

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

كثر الحديث في الآونة الأخير عن مصطلح (الدولة) و(اللادولة) و(الدولة العميقة) وغيرها من التسميات التي لا تنسجم مع أبسط أدبيات نظرية الدولة، فمن المعلوم أنَّ الدولة تتكون من (ثلاثة) أركان متفق عليها، وهي الشعب والاقليم والسلطة أو (السيادة) كما يُطلق عليها، رغم أنَّ البعض يعتبرها وصفاً من أوصاف السلطة.

وينصرف معنى السيادة إلى أنَّ سلطة الدولة تُعدّ السلطة العليا التي لا يسمو عليها شيء، ولا تخضع لأحد في الخارج أو الداخل، وبهذا فإنَّ للسيادة وجهين هما السيادة الخارجية، والتي تعني الاستقلال أو عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة لأي دولة أجنبية، أما السيادة الداخلية فتنصرف إلى تمتع الدولة بسلطة عليا على جميع الأفراد والأشخاص والهيئات الموجودة في إقليمها، وبهذا يمكن القول أنَّ سيادة الدولة الكاملة تعني استقلالها الخارجي من جهة، وسمو سلطانها على الجميع داخل حدودها من جهة أخرى.

وبالرجوع إلى واقع الدولة العراقية اليوم نجد توافر ركنين فقط من أركان الدولة، وهما الشعب والإقليم دون عنصر السيادة، وبالتحديد السيادة الخارجية، إذ إنَّ الإقليم الجوي العراقي لا يخضع للسيطرة التامة للدولة العراقية، نتيجة عدم امتلاك منظومة دفاع جوي وطنية يمكن معها رصد الطائرات التي تنتهك السيادة العراقية، فضلاً عن عدم امتلاك العراق الطائرات العسكرية المتطورة التي تمكن القوة الجوية العراقية من الدفاع عن أراضي العراق وسمائه ومياهه، وهو الأمر الذي يجعل السيادة العراقية رهينة بإرادة التحالف الدولي لمحاربة داعش من جهة، ورحمة سلاح الجو الامريكي من جهة أخرى. ناهيك عن الاحتلال التركي للأراضي العراقية وانشاء (37) موقع عسكري على مسمع ومرأى من الحكومة العراقية دون اتخاذ أي إجراءات دفاعية أو عسكرية فاعلة، مع وجود القواعد العسكرية الامريكية في الأراضي العراقية بشكل مخالفة وصريح لاتفاقية الاطار الاستراتيجي لعلاقة صداقة وتعاون بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الامريكية المصادق عليها بالقانون رقم (52) لسنة 2008 التي تمنع انشاء القواعد العسكرية الثابتة وفي ظل صدور القرار النيابي لمجلس النواب العراقي في 6/1/2020 بانها الوجود الأجنبي للقوات العسكرية العاملة في العراق.

أما بالنسبة إلى السيادة الداخلية للدولة العراقية داخل الحدود الجغرافية للعراق فتوصف بأنها ضعيفة أو شبه معدومة لعدة أسباب، وعلى الرغم من أنَّ البعض يعزو ذلك إلى عدم سيطرة الدولة على السلاح، ويطالب بشعارات تحدّ من ذلك، غير أنَّ المشكلة الحقيقية لا تكمن بهذا السبب، وإنما تتظافر عدة أسباب من شأنها استمرار فقدان السيادة الداخلية للدولة العراقية، ولعل من أهمها التغاضي الحكومي عن الممارسات العشائرية في ظل التفسير المغلوط للمادة (45/ثانياً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 التي تنص على أنْ ( تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون، وتعز قيمها الإنسانية النبيلة بما يساهم في تطوير المجتمع، وتمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الانسان).

ولهذا فإنَّ هذا النص يشكل الطعنة الجوهرية لسيادة الدولة العراقية داخل أراضيها، ففي الوقت الذي يتكلم فيه الدستور عن وجوب نهوض الدولة واهتمامها بالقبائل والعشائر العراقية شريطة الانسجام مع القانون، نجد بالمقابل أنَّ الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2006 ولغاية يومنا هذا لم تلتزم بحرفية هذا النص، بل تنازلت في العديد من الحوادث عن هيبة وسيادة الدولة العراقية لصالح سيادة القبيلة والعشيرة، ومع استمرار نفاذ هذا النص وعدم تعديله فإنَّ سلطة الدولة مستمرة في الانحسار والاضمحلال أمام شيوع ظاهرة الهيمنة العشائرية والقبلية في العراق أو (الدولة العشائرية)، إذ إنَّ قوة الدولة العراقية وسيادتها تدور وجوداً وعدماً مع ضعف الظاهرة العشائرية والقبلية، والعكس صحيح.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد فحسب، بل نجد أنَّ غياب تطبيق نصوص الدستور قد أصبح السمة الغالبة من قبل المؤسسات الدستورية العراقية، ولعل من أهم مصاديق ذلك هو الانحراف الحاصل في شكل النظام السياسي البرلماني في العراق وفق المادة (1) منه التي تنص على أنَّ (نظام الحكم فيها جمهوري نيابي برلماني)، إذ حلّ النظام التوافقي المحاصصي محله، وباتفاق ومباركة جميع الكتل السياسية والمكونات العراقية.

فيما تتمثل الصورة الثانية لمصطلح اللادولة في التعطيل الحاصل في المحكمة الاتحادية العليا، وإيقاف عملها، نتيجة التراخي والإهمال من قبل مجلس الوزراء ومجلس النواب في تشريع قانون جديد للمحكمة الاتحادية العليا وفق المادة (92/ثانياً) من الدستور.

أما الصورة الثالثة فتتجسد بتعطيل مجالس المحافظات المنصوص عليها في المادة (122) من الدستور، وعدم إجراء الانتخابات الجديدة لها المحددة في 1/4/2020 كما تنص عليه المادة (13) من القانون رقم (14) لسنة 2019 (قانون التعديل الأول لقانون انتخابات مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم والاقضية التابعة لها رقم (12) لسنة 2018)، مما يعني اسهام مجلس النواب في تعطيل مجلس المحافظة، يقابله عدم قيام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ومجلس الوزراء بالالتزام بالموعد الذي تم تحديده مسبقاً من مجلس النواب في القانون أعلاه لإجراء الانتخابات الجديدة لمجالس المحافظات، رغم قيام رئيس الوزراء بتحديد موعد الانتخابات المبكرة لمجلس النواب خلاف السياقات والإجراءات الدستورية، ودون الاكتراث بموعد انتخابات مجالس المحافظات والأقضية.

أما رابع صور اللادولة في العراق فتتمثل بالانتهاك الصريح للمادة (62) من الدستور واجراء المناقلات المالية في ظل إصرار مجلس الوزراء على عدم تقديم مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية لسنة 2020.

أما الوجه الخامس لانتهاك السيادة الداخلية للدولة العراقية فيمكن تلمس معالمه في إطار العلاقة بين الحكومة المركزية الاتحادية وبين حكومة إقليم كردستان- العراق فيما يتعلق بتصدير النفط من إقليم كردستان دون موافقة الحكومة العراقية، فضلاً عن عدم ارسال وارادته إلى الحكومة المركزية رغم صراحة المادة (111) من الدستور التي تنص على ان (النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات).

فيما يتمثل الوجه الأخير لفقدان السيادة الداخلية للدولة العراقية في عدم اشراك الحكومة المركزية في الإدارة المشتركة للمنافذ الحدودية من قبل سلطات إقليم كردستان رغم صراحة المادة (114/اولاً) من الدستور العراقي، بل جاء الاتفاق الموقع بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بتاريخ 15/8/2020 بشكل يفرغ النص الدستوري من محتواه.

ومما يلفت النظر بهذا الصدد هو أنَّ المادة (5) من الدستور تنص على أنَّ (السيادة للقانون)، في حين ان المادتين (116) (121/ثانياً) من الدستور تجعل الأعلوية في التطبيق لقانون الإقليم عند التعارض مع القانون الاتحادي الصادر من مجلس النواب، وتجيز لسلطة الإقليم تعديله، فالتساؤل كيف ستفرض الحكومة المركزية سلطتها وسيادتها في أراضي إقليم كردستان والدستور يجيز لها تارة ذلك ويمنعها من مد سيادتها تارة أخرى؟

وعلى الرغم مما تقدم نجد العديد من نصوص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 التي تتكلم عن السيادة، ومنها المادة (1) التي تنص على أنَّ (جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة)، وكذلك المادة (109) من الدستور التي تلزم السلطات الاتحادية بالمحافظة على استقلال العراق وسيادته.

وكذلك المادة (50) من الدستور التي تلزم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء ورئيس مجلس الوزراء والوزراء ورئيس مجلس النواب والنواب بالمحافظة على استقلال العراق وسيادته والسهر على سلامة ارضه وسمائه ومياهه.

وبهذا يتضح لنا غياب الرؤية العميقة للازمات المتعددة التي تعاني منها الدولة العراقية في ظل نظام سياسي برلماني تم تحريفه ليصبح نظام توافقي بشكل يخالف الإرادة الشعبية التي استفتت على هذا الدستور في 15/10/2005، وبشكل يخالف مبدأ الشعب مصدر السلطات وشرعيتها وفق المادة (5) من الدستور.

لذا فإننا ندعو الرئاسات الثلاثة والوزراء والنواب إلى العمل الحثيث على إعادة السيادة العراقية الخارجية والداخلية، وطرح خارطة بناء الدولة العراقية بعيداً عن الشعارات الزائفة، أو التقليل من التضحيات التي قدمها أبناء الشعب الغيارى بجميع اطيافه، وبالشكل الذي يحفظ سيادة القانون، فضلاً عن ضرورة إجراء إصلاحات جذرية على المستوى الدستوري والحكومي والبرلماني، وبالشكل الذي يكون هدفه تقديم أفضل الخدمات وتحقيق العيش الكريم لجميع العراقيين دون استثناء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق