تحليلات واراءسلايدر

المحكمة الاتحادية العليا بين التشريع والتعديل (الجزء الثاني)

النص الدستوري الذي يحكم تعديل قانون المحكمة

حسين الحاج حمد

متخصص في القانون الدستوري

يبدو أن هنالك نصين دستوريين يمكن أن يكونا – للوهلة الأولى – أساسا لتعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا، الأول منهما نص عام ينطبق على جميع النصوص القانونية من حيث التشريع، أو التعديل، ما لم يكن هنالك نص دستوري يقضي خلاف ذلك.
حيث وضع الدستور قاعدة عامة لاتخاذ القرارات في جلسات مجلس النواب هي الأغلبية البسيطة، وبناءً على ذلك يمكن أن يصدر تعديل قانون المحكمة طبقا لهذه الأغلبية وفقا للمادة (59/ثانيا)
أما النص الآخر فيتمثل بالمادة (92/ثانيا) بقوله (… يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم، … بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب).
والواضح من النص أن الأغلبية المطلوبة هي لتشريع قانون المحكمة ابتداءً، كما أنه ينطبق على أي تعديل يرد عليه، ومن دون ذلك يضحى الأمر عبثا، إذ ما هي قيمة القانون إذا صدر بأغلبية الثلثين ويعدل بعده بالأغلبية البسيطة؟
والقول بخلاف ذلك يتقاطع مع الحكمة التي ابتغاها المشرع الدستوري المتمثلة بحفظ استقلال المحكمة، واستقرارها بعيدا عن الرغبات البرلمانية في النيل من ذلك، وحتى لا يكون قانون المحكمة عرضة للتعديلات غير الضرورية.
وتبدو تلك الحكمة أكثر حضورا عند عملية التعديل، نظرا لإمكانية قيام البرلمان بتعديل قانون المحكمة، إذا كان ذلك بمقدوره استنادا للأغلبية البسيطة.
اذن يقتضي المنطق والتفسير السليم اشتراط اغلبية الثلثين عند التعديل أيضا، كما هو الحال عند تشريع القانون ابتداءً، وبخلاف ذلك سيُهدم ما تقرر في أصل القانون، انسجاما مع رغبة طالبي التعديل، بل من الممكن أن يصدر قانون جديد تحت ذريعة التعديل.
وإذا سلمنا بأن تعديل قانون المحكمة يجب أن يكون بأغلبية الثلثين فهل يشمل ذلك قانونها الحالي الصادر قبل نفاذ دستور 2005 أم أن الأمر يقتصر على القانون الذي سيصدر وفقا للمادة (92/ثانيا) من الدستور؟
قد يرى بعضهم أن التعديل المزمع اجراؤه حاليا يمكن أن يكون طبقا للقاعدة العامة التي وضعها الدستور في اتخاذ قرارات مجلس النواب، وهي الأغلبية البسيطة بعد تحقق نصاب الانعقاد، حيث لا يوجد نص صريح يقضي خلاف ذلك، ويشترط في التعديل أغلبية مغايرة.
إلا أن التفسير الموضوعي، والمنطقي قد لا يتلاءم مع هذا التوجه، فالدستور عند صدوره يهيمن على الحياة القانونية، ومادام هنالك نص فيه يعالج تشريع قانون المحكمة بشكل صريح، ويحكم أمر تعديله ضمنا، فإن ذلك أقرب إلى القول باستلزام اللجوء إلى الآلية المحددة في المادة (92/ثانيا) عند تعديل قانون المحكمة النافذ، تحقيقا للحكمة التي ابتغاها الدستور من ذلك.
وزيادة على ذلك فإن حصول التعديل بالأغلبية البسيطة سيقضي على كل أمل بتشريع قانون المحكمة في الدورة البرلمانية الحالية، أو التي بعدها؛ لأن الجهات المعنية ستكتفي بهذا الأمر من دون انجاز الاستحقاق الدستوري الأهم، وهو تشريع قانون جديد للمحكمة وفق الأطر الدستورية بعد ان مضت 15 سنة على استحقاقه.
لذلك نجد أن هذا المحذور، فضلا عن الخوف من الاتكاء على هذه الطريقة لغرض اجراء تعديلات أخرى لقانون المحكمة – عندما يجد مجلس النواب ضرورة لذلك، تاركا وراءه الأمر الأهم، وهو تشريع قانون جديد للمحكمة – يدفعنا بقوة إلى القول بضرورة اللجوء إلى المادة (92/ثانيا) عند تعديل قانون المحكمة الحالي.
زيادة على ذلك فإن هذا الخيار يجنبنا عقبة استبعاد ترشيح مجلس القضاء الأعلى لأعضاء المحكمة، عند التعديل، كونه يدخل ضمن السلطة التي فوضها الدستور لمجلس النواب طبقا للمادة (92/ثانيا) كما تبين سابقا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق